وهنا تكتسب كلمات الملك عبدالله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أهميتها. فقد تحدث جلالته عن "حقائق جديدة يتم فرضها على الأرض" في سوريا، منها ما يمس مصادر مائية حيوية، محذرًا من أن استمرار غضّ المجتمع الدولي الطرف عنها يشجع على مزيد من التمادي وتجاوز الحدود والقوانين.
وهذه العبارة تحديدا تختصر مشكلة أكبر من الحالة السورية نفسها.
فعندما تستخدم دولة قوتها لتغيير ما هو قائم على الأرض، فإنها تستطيع أن تصنع واقعًا جديدًا، وقد يضطر الآخرون إلى التعامل معه، وقد يستمر سنوات، وربما يتحول مع الزمن إلى أمر مألوف. لكن وهنا يبرز التساؤل الذي لا ينبغي ألا يسقط من الحساب وهو: هل كل واقع مفروض يصبح حقًا لمجرد أنه أصبح واقعًا؟
وهنا تظهر قيمة القانون الدولي؛ فالقانون يفترض أساسا أن تكون هناك قواعد تتجاوز موازين القوة، وألا تصبح قدرة دولة على فرض إرادتها بديلًا عن الشرعية، وإلا يصبح القانون الدولي حبرا على ورق.
وكما هو معلوم، فلا ثوابت في السياسة؛ فهي تتغير، والتحالفات تتبدل، والخصوم يصبحون شركاء، والدول تعيد حساباتها وفق مصالحها. وهذا الأمر مفهوم في عالم السياسة.
ولكن ثمة فارقا بين تغيير الموقف السياسي وبين إعادة تعريف الحقيقة والحق.
ومن الطبيعي أن يتغير الواقع، فهذا من سنن الحياة، لكن تغيره لا يكفي وحده لإثبات مشروعيته. وقد تتغير المواقف، لكن ذلك لا يعني أن التاريخ مطالب بتغيير حقائقه معها. ولذا فإن التمييز بين الحقيقة والواقع والحق ليس ترفًا فكريًا:
الحقيقة تجيب: ماذا حدث؟
والواقع يقول: ماذا أصبح قائمًا؟
أما الحق فيسأل: هل ما حدث وما أصبح قائمًا عادل ومشروع؟
والقوة تستطيع أن تؤثر في هذه الأسئلة، لكنها لا يجب أخلاقيا وقانونيا أن تكون المرجع الوحيد للإجابة عنها.
فعندما يصبح الأقوى قادرًا على فرض الواقع، ثم فرض تفسيره لهذا الواقع، ثم إقناع العالم بأن ما فرضه هو الحق نفسه، نكون قد انتقلنا من عالم تحكمه القواعد إلى عالم تحكمه القدرة على فرض القواعد. وهنا سيبدو الخطر الحقيقي.
لذلك لا تكمن أهمية خطاب الملك في أنه تحدث عن واقعة تمس الأردن وجواره فقط، وإنما في أنه وضع أمام المجتمع الدولي سؤالًا أوسع: ماذا يمكن أن يحدث عندما تصبح الوقائع التي تُفرض بالقوة "الحقيقة – الواقع" أقوى من القواعد التي يفترض أن تحكم العالم "الحق"؟
إن القوة ضرورة لحماية الدول، لكنها لا ينبغي أن تصبح مصدرًا للشرعية. فقد تفرض القوة واقعًا جديدًا، وقد تطيل عمره، لكنها لا تستطيع أن تمنحه وحدها صك الشرعية. فالواقع شيء، والحقيقة شيء، والحق شيء آخر.
وفي عالم تتسع فيه قدرة الأقوياء على صناعة الوقائع، تبقى المعركة الأهم: ألا تتحول الوقائع التي تصنعها القوة إلى حقيقة، والحقيقة إلى حق يُطلب من العالم أن يؤمن به.