سموتريتش: عمليات الهدم ضرورية لترسيخ الاستيطان
كشفت معطيات استيطانية وحقوقية عن تصاعد غير مسبوق في عمليات هدم المباني الفلسطينية والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، بالتزامن مع توسع البناء الاستيطاني وإنشاء البؤر الزراعية والرعوية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من أن هذه السياسات تدفع نحو ضم فعلي للضفة الغربية وتقوض فرص حل الدولتين.
وأفادت معلومات أوردتها صحيفة «هآرتس» للصحافية عميرة هاس، مدعومة بمعطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، بأن سلطات الاحتلال هدمت خلال العامين الماضيين، 2024 و2025، نحو 2,461 مبنى فلسطينياً في مناطق «ج»، مقارنة بـ4,984 مبنى خلال السنوات التسع السابقة، ما يعني أن نحو نصف عمليات الهدم المسجلة خلال 11 عاماً وقعت خلال عامين فقط، وأدت إلى تشريد نحو 3,500 فلسطيني.
وبحسب الأمم المتحدة، هدمت سلطات الاحتلال، ممثلة بالجيش و«الإدارة المدنية»، خلال أيلول 2026 وحده 143 مبنى، بينها 42 مبنى سكنياً، ما أدى إلى فقدان 215 فلسطينياً منازلهم، فيما تضرر نحو 300 آخرين اقتصادياً.
وشملت عمليات الهدم الواسعة 25 مبنى تجارياً عند مدخل قرية رابعة شرق جنين في 12 آب.
وتقول «الإدارة المدنية» الإسرائيلية إن عمليات الهدم تهدف إلى «الحفاظ على سيادة القانون وتنظيم البناء في المنطقة»، إلا أن هذه التبريرات تواجه انتقادات واسعة، في ظل سيطرة إسرائيل على التخطيط والبناء في 61% من مساحة الضفة الغربية المصنفة «ج»، حيث نادراً ما يحصل الفلسطينيون على تراخيص بناء.
ولا يخفي وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، أهدافه السياسية من وراء هذه الإجراءات، إذ قال إن هدم المباني «مهم وضروري لترسيخ الاستيطان»، وإن المباني الفلسطينية «تهدد المستوطنات في شمال السامرة».
وفي تعليقه على تقرير حركة «السلام الآن» بشأن سياسات الحكومة الاستيطانية، وصف سموتريتش ما يجري بأنه «تصحيح لأخطاء استمرت نحو 30 عاماً»، معرباً عن فخره بما وصفه بـ«ثورة الاستيطان»، ومؤكداً أن الحكومة تعمل على منع إقامة دولة فلسطينية، وأن ما يجري «مجرد البداية».
وتشير معطيات «هآرتس» و«السلام الآن» إلى أن الهدف العملي لهذه السياسة يتمثل في تقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين للعيش والعمل وكسب الرزق، وتهيئة الأراضي لمزيد من التوسع الاستيطاني.
ونقل موقع «يهودا ديلي نيوز» في آب 2026 أن الهدف من موجة الهدم هو تهيئة المنطقة لاستقبال موجة جديدة من العائلات الإسرائيلية الراغبة في الاستيطان، فيما أعيد، في اليوم التالي لعمليات هدم واسعة، إنشاء مستوطنتي «غانيم» و«كديم».
وتكشف بيانات رسمية إسرائيلية عن فجوة كبيرة في منح تراخيص البناء؛ فبين عامي 2009 و2020، مُنحت 66 رخصة بناء فقط للفلسطينيين في مناطق «ج»، مقابل نحو 22 ألف رخصة لوحدات سكنية للمستوطنين الإسرائيليين خلال الفترة نفسها. وتؤدي هذه القيود، بحسب تقارير حقوقية، إلى دفع الفلسطينيين للبناء من دون ترخيص لتلبية احتياجاتهم السكنية، بما يوفر ذريعة لاحقة لهدم تلك المباني.
وامتد التوسع الاستيطاني، وفق حركة «السلام الآن»، إلى المناطق المصنفة «ب»، حيث أقيمت 23 بؤرة استيطانية جديدة خلال عامين ونصف، فيما صدرت 15 أمراً عسكرياً للاستيلاء على نحو 200 دونم في المنطقة «أ» جنوب جنين لشق طريق استيطاني، في سابقة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو.
كما صادقت السلطات الإسرائيلية على بناء 104 مستوطنات جديدة خلال أربع سنوات، بزيادة بلغت 80%، وخصصت 431 مليون دولار لدعم 34 مستوطنة جديدة. ووصفت «السلام الآن» هذه الإجراءات بأنها «ضم صامت» و«فعلي» للضفة الغربية.
وفي موازاة ذلك، وثقت الأمم المتحدة منذ بداية عام 2026 أكثر من 1,430 حادثة عنف ارتكبها مستوطنون وأسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات، وأثرت على نحو 260 مجتمعاً فلسطينياً، مشيرة إلى أن العديد من هذه الحوادث وقعت في حضور القوات الإسرائيلية.
وأدى عنف المستوطنين وعمليات الهدم والتهجير إلى تشريد نحو 3,800 فلسطيني خلال عام 2026 وحده، يقارب نصفهم من الأطفال، بمعدل 17 شخصاً يومياً، وهو ضعف المعدل اليومي المسجل خلال السنوات الثلاث السابقة. وأشار تقرير للأمم المتحدة إلى وجود نمط متكرر يتمثل في تهجير الفلسطينيين من قراهم قبل استيلاء المستوطنين على الأراضي.
وحذر مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط، رميز الأكبروف، من أن الضفة الغربية «على حافة الانهيار»، مؤكداً أن ما يحدث ليس «تدهوراً مفاجئاً»، وإنما نتيجة «عقود من الصراع غير المحلول».
وقال الأكبروف إن هذه الإجراءات «خطوات مترابطة وليست تطورات منعزلة»، معتبراً أنها تعيد تشكيل الضفة الغربية وتضعف الحكم الفلسطيني وتدفع نحو ضم فعلي، محذراً من أن استمرار هذا المسار سيقوض فرص إنهاء الاحتلال وتحقيق سلام إسرائيلي-فلسطيني تفاوضي على أساس حل الدولتين.
وتتزايد، في ظل هذه التطورات، التحذيرات الدولية من أن التوسع الاستيطاني وعمليات الهدم والتهجير والعنف في الضفة الغربية تعيد رسم الواقع الجغرافي والديموغرافي على الأرض، وتضعف بصورة متزايدة الأسس العملية لحل الدولتين.