اقتصاد

التقسيط.. حل لتأمين الاحتياجات أم عبء مؤجل..؟؟

تتجه كثير من الأسر الأردنية إلى الشراء بالتقسيط لتأمين احتياجات يصعب دفع ثمنها دفعة واحدة، في وقت أصبحت فيه القدرة على شراء السلع والخدمات مرتبطة بشكل متزايد بحجم الدخل والالتزامات الشهرية، وبينما يمنح التقسيط الأسرة فرصة للحصول على حاجتها دون دفع المبلغ كاملًا، فإن تراكم الأقساط قد يحول هذه الوسيلة من حل مؤقت إلى عبء طويل الأمد.
وتقول أم أحمد، وهي أم لثلاثة أبناء، إن التقسيط أصبح خيارا تلجأ إليه الأسرة عندما تتزامن أكثر من حاجة، خصوصا عند شراء الأجهزة الكهربائية أو الأثاث أو بعض المستلزمات التي يصعب توفير ثمنها نقدًا، وترى أن القسط الشهري يبدو في البداية مبلغا يمكن تحمله، لكن المشكلة تبدأ عندما تتعدد الالتزامات، فيصبح مجموع الأقساط أكبر من قدرة الأسرة على الحركة المالية.
وفي السوق، توفر محال عديدة خيارات البيع بالتقسيط للسلع مرتفعة الثمن، فيما يركز المستهلك عند اتخاذ القرار غالبا على قيمة القسط الشهري، دون أن ينتبه بالقدر نفسه إلى السعر النهائي الذي سيدفعه بعد انتهاء فترة السداد.
وتظهر بيانات البنك المركزي الأردني أن إجمالي مديونية الأفراد بلغ نحو 14.035 مليار دينار بنهاية عام 2024، منها نحو 5.734 مليار دينار قروضًا سكنية، و4.481 مليار دينار قروضًا شخصية، و1.842 مليار دينار قروض سيارات، و1.312 مليار دينار قروضًا استهلاكية. وتوفر هذه الأرقام صورة عن حجم الالتزامات الائتمانية للأفراد، وإن كانت لا تمثل جميع عمليات التقسيط التي تتم مباشرة بين المستهلكين والمتاجر.
وفي الوقت نفسه، تشير أحدث المؤشرات الاقتصادية للبنك المركزي إلى أن معدل التضخم بلغ 2.2% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، فيما بلغ سعر الفائدة الرئيسي 6% في 21 أيلول الحالي، وهي مؤشرات تؤكد أهمية النظر إلى كلفة التمويل عند اتخاذ قرار الشراء بالتقسيط، وليس إلى قيمة القسط وحدها.
ويعزو الخبير المالي المستشار إبراهيم بشايرة انتشار التقسيط إلى مجموعة من العوامل، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار السلع والخدمات الأساسية، إلى جانب انتشار وسائل الدفع الإلكتروني والبطاقات الائتمانية وخدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا».
كما أن حاجة الأسر إلى شراء سلع معمرة، مثل السيارات والأجهزة الكهربائية والأثاث، تجعل التقسيط وسيلة متاحة لتوزيع التكلفة على فترة زمنية أطول.
ويرى بشايرة أن التقسيط يمكن أن يكون مناسبًا عندما يوجه إلى شراء أصل يحافظ على قيمته أو يساعد في زيادة الدخل، أو عندما يتعلق بحاجة أساسية، شريطة أن تكون كلفة التمويل منخفضة وأن تمتلك الأسرة قدرة واضحة على سداد الأقساط دون المساس بنفقاتها الأساسية.
لكن الصورة تختلف عندما يستخدم التقسيط لشراء الكماليات أو السلع التي تفقد قيمتها بسرعة، خصوصا إذا ترافق ذلك مع عدة التزامات في الوقت نفسه.
ويحذر بشايرة من أن ما يبدو «قسطا صغيرا» قد يتحول إلى عبء كبير عند جمع الأقساط كافة، إذ إن تعدد الالتزامات يقلص المساحة المتاحة أمام الأسرة للادخار ومواجهة الطوارئ.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا، بحسب بشايرة، التركيز على القسط الشهري وإهمال الكلفة الإجمالية، فقد يكون القسط منخفضًا، لكن طول مدة السداد والرسوم الإدارية وتكاليف التمويل وغرامات التأخير قد ترفع السعر النهائي للسلعة مقارنة بسعرها النقدي.
ولذلك، ينصح بشايرة المستهلك بأن يبدأ حسابه من الكلفة النهائية، وأن يقارنها بالسعر النقدي، ويسأل عن جميع الرسوم والشروط قبل توقيع العقد.
كما يحذر من «فخ الأقساط الصغيرة»، حيث تبدو كل دفعة منفردة مقبولة، لكن اجتماع عدة دفعات قد يستنزف جزءًا كبيرًا من الدخل.
ويضع بشايرة قاعدة عملية تتمثل في ألا يتجاوز مجموع الأقساط والالتزامات الشهرية نحو 30 إلى 35% من صافي الدخل الشهري الثابت، مع ترك هامش للنفقات الأساسية والطوارئ والادخار.
كما يدعو إلى عدم التسرع في المشتريات غير الضرورية، وإعطاء النفس فترة للتفكير قد تمتد من 48 ساعة إلى شهر في المشتريات الكبيرة، للتأكد من أن القرار مبني على حاجة حقيقية لا على رغبة مؤقتة.
وفي النهاية، لا تكمن المسألة في التقسيط بحد ذاته، وإنما في ما الذي نشتريه، وكم سندفع في النهاية، وهل نستطيع تحمل الالتزام دون أن يضغط على احتياجات الأسرة وادخارها؟ فالقسط قد يفتح بابا لحاجة ضرورية، لكنه قد يصبح عبئا مؤجلا عندما يتجاوز حدود القدرة المالية.