أجمع خبراء اقتصاديون على أن تأكيد جلالة الملك عبدالله الثاني، خلال لقائه رئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، حرص الأردن على البناء على الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، يحمل بعداً اقتصادياً مهماً، في توقيت تستعد فيه المملكة لاستضافة مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي في تشرين الثاني المقبل.
ولفتوا في أحاديث لـ«الرأي» إلى أن الأردن يمتلك قاعدة قوية يمكن البناء عليها، فحزمة الشراكة الأوروبية للفترة ٢٠٢٥–٢٠٢٧ تبلغ ٣ مليارات يورو، موزعة بين ٦٤٠ مليون يورو منحاً، ونحو ١.٤ مليار يورو استثمارات إضافية، ومليار يورو قروضاً ميسرة ضمن المساعدة المالية الكلية، مشيرين إلى أهمية التعامل معها كأداة لتحفيز استثمارات أوروبية خاصة أكبر.
التقى جلالة الملك عبدالله الثاني، الاثنين، رئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد.
وأكد جلالته حرص الأردن على البناء على الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، معرباً عن تطلع المملكة لاستضافة مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي في تشرين الثاني المقبل.
وتناول اللقاء أبرز المستجدات الإقليمية، إذ أكد جلالته ضرورة تكثيف جهود المجتمع الدولي للتوصل إلى حل ينهي التصعيد الدائر ويحفظ أمن الدول العربية وسيادتها، كما نبه إلى خطورة الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، داعياً إلى دعم جهود لبنان وسوريا في الحفاظ على أمنهما وسلامة أراضيهما.
بدوره، أشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن اللقاء يحمل دلالات اقتصادية وسياسية مهمة، خصوصاً أنه يأتي قبيل مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي في 19 تشرين الثاني المقبل، الذي يستهدف تحويل الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الأردن والاتحاد الأوروبي إلى مشاريع واستثمارات ملموسة.
ولفت إلى أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تتجه من المساعدات والدعم المالي إلى مرحلة أوسع تقوم على الاستثمار والتجارة والإنتاج ونقل التكنولوجيا والشراكات بين القطاع الخاص، مبيناً أن المؤتمر يمثل فرصة لتسويق البيئة الاستثمارية والفرص المتاحة في قطاعات الطاقة والمياه والتعدين والنقل واللوجستيات والصناعة والسياحة والاقتصاد الأخضر.
وأضاف مخامرة أن تعزيز ثقة المستثمر الأوروبي بالأردن يمثل دلالة اقتصادية مهمة، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية، مشيراً إلى أن موقع المملكة بين الأسواق الخليجية والعراق وبلاد الشام وقربها من أوروبا يعزز فرصها لتكون قاعدة إقليمية للاستثمار في النقل والخدمات اللوجستية والصناعة والتخزين وسلاسل التوريد.
وأكد أن التحدي هو التركيز على نوعية الاستثمار لا حجمه فقط، بحيث ترفع الاستثمارات الطاقة الإنتاجية وتزيد الصادرات وتخلق فرص العمل وتنقل التكنولوجيا، مشدداً على أن نجاح المؤتمر يقاس بما يتحول من الفرص ومذكرات التفاهم إلى مشاريع ممولة وقيد التنفيذ.
وبيّن أن الشراكة الأوروبية تتقاطع بصورة مباشرة مع أولويات رؤية التحديث الاقتصادي، من خلال دعم الاستثمار والابتكار وخلق الوظائف والتنمية المستدامة.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان أن تأكيد جلالة الملك الحرص على الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي يوفر فرصة للانتقال بالعلاقة إلى شراكة أعمق في الاستثمار والإنتاج والتجارة ونقل التكنولوجيا، مشيراً إلى أن الشراكة الاستراتيجية والشاملة تغطي خمسة محاور، من بينها الصمود الاقتصادي والتجارة والاستثمار ورأس المال البشري.
وأوضح السرحان أن حزمة الشراكة الأوروبية البالغة ٣ مليارات يورو للفترة ٢٠٢٥–٢٠٢٧ يجب ألا ينظر إليها كسقف للعلاقة، بل كأداة لتحفيز استثمارات خاصة أوروبية أكبر.
وأشار إلى أن حجم تجارة السلع بين الجانبين بلغ نحو ٦.١ مليارات يورو خلال ٢٠٢٥، وكان الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري للأردن، مستحوذاً على ١٥.٢٪ من تجارة المملكة بالسلع، فيما بلغت حصة السوق الأوروبية من الصادرات الأردنية ٨.٧٪ فقط، معتبراً ذلك مجالاً واسعاً لزيادة الصادرات.
وبيّن أن الصادرات الأردنية إلى دول الاتحاد الأوروبي ارتفعت خلال الأشهر الأربعة الأولى من ٢٠٢٦ بنسبة ٤٩.٣٪ إلى ٢١٨ مليون دينار، مقارنة مع ١٤٦ مليوناً في الفترة نفسها من العام الماضي، داعياً إلى تحويل هذا النمو إلى مسار طويل الأجل من خلال ربط الشركات الأردنية بالمشترين وسلاسل التوريد الأوروبية.
وأضاف أن مؤتمر تشرين الثاني ينبغي ألا يقتصر على عرض المشاريع الأردنية، بل يستقبل أيضاً مشاريع الشركات الأوروبية التي تبحث عن مواقع استثمارية جديدة، مع توفير مسار واضح وسريع للأرض والطاقة والمياه والتراخيص والمهارات والتمويل.
وأشار السرحان إلى أن التمويل الأوروبي يمكن أن يحفز أضعافه من الاستثمار الخاص، لافتاً إلى أن ٢٣ مشروعاً رئيسياً أطلقت ضمن الخطة الاقتصادية والاستثمارية منذ ٢٠٢١، مع التزام أوروبي يقارب ٤٣٩ مليون يورو، ساهمت في حشد استثمارات إجمالية تقارب ٤.٨ مليارات يورو.
وأكد أهمية ربط الاستثمار الأوروبي بالشركات الأردنية الصغيرة والمتوسطة، ونقل التكنولوجيا والمعرفة وتدريب الشباب، بحيث يمتد أثر الاستثمار إلى سلاسل التوريد المحلية والوظائف والصادرات، مشدداً على أن نجاح الشراكة يقاس بما تتركه من مصانع واستثمارات وتكنولوجيا وأسواق وفرص عمل.
وقال ممثل قطاع الألبسة والمحيكات في غرفة صناعة الأردن السابق، المهندس إيهاب قادري، إن لقاء جلالة الملك مع رئيس المجلس الأوروبي يحمل بعداً اقتصادياً يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، في ظل إعادة أوروبا النظر في أمنها الاقتصادي وسلاسل التوريد ومصادر الطاقة ومواقع الاستثمار القريبة من أسواقها.
وأضاف أن الأردن يمتلك فرصة لتحويل رصيده من الاستقرار والمصداقية السياسية والموقع الجغرافي والعلاقات الدولية إلى ميزة اقتصادية أوضح، بحيث تنتقل العلاقة مع أوروبا من الدعم والتعاون التنموي إلى شراكة أوسع في الاستثمار والإنتاج والتجارة ونقل التكنولوجيا.
وأشار قادري إلى أن مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي يمكن أن يشكل أداة لربط رأس المال والتكنولوجيا والأسواق الأوروبية بالقطاعات التي يستهدف الأردن تطويرها ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، مؤكداً أن نوعية الاستثمار هي الاختبار الحقيقي للشراكة، من حيث رفع القدرة الإنتاجية والتصديرية ونقل المعرفة والتكنولوجيا ودمج الشركات الأردنية في سلاسل القيمة الأوروبية.
وأضاف أن مؤتمر تشرين الثاني يجب أن ينطلق من مشاريع محددة وجاهزة للاستثمار، ويتبعه مسار مؤسسي يقيس ما انتقل منها إلى الإغلاق المالي والتنفيذ والإنتاج والتصدير.
ولفت قادري إلى أن المرحلة المقبلة يجب أن تنقل العلاقة الأردنية–الأوروبية إلى شراكة في صناعة النمو، بحيث يتحول استقرار الأردن وموقعه وعلاقاته الدولية إلى استثمار وصادرات وفرص عمل مستدامة.