كتاب

الملك يغضب لفلسطين في الأمم المتحدة

ألقى جلالة الملك عبدالله الثاني كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في افتتاح أعمال دورتها الحادية والثمانين، مكرسا الجزء الأكبر منها للأوضاع في فلسطين وتداعيات السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
فبعد أن استثمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه للحديث عن الولايات المتحدة وإنجازات إدارته، اختار جلالة الملك أن يمنح فلسطين الجزء الأكبر من كلمته، وأن يستخدم أهم منبر دولي للدفاع عن حقوق شعبها، بلغة عكست غضبا واضحا مما آلت إليه الأوضاع، وأكدت مركزية القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية الأردنية.
وقد أحسن جلالة الملك اختيار 'الانتباه' مدخلا لخطابه، في إشارة إلى أن القضايا الدولية لا تتراجع دائما لأنها حلت، وإنما لأنها تفقد اهتمام القوى المؤثرة. وهذا ما أصاب القضية الفلسطينية عبر عقود من إدارة الصراع بدلا من حله، حتى بات العالم يتعامل مع الاستيطان والتهجير والحواجز باعتبارها وقائع متكررة، لا انتهاكات تستوجب موقفا دوليا فاعلا.
ومن الناحية القانونية، حمل الخطاب الملكي رسالة تتجاوز المطالبة باحترام القانون الدولي إلى مساءلة آليات إنفاذه. فالأزمة ليست في غياب القواعد التي تحظر الاحتلال والتهجير والاستيلاء على الأراضي، وإنما في الفجوة بين وجودها وتطبيقها. ومن هنا جاءت إشارة جلالة الملك إلى أدوات الضغط، كتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، لتطرح مسألة المساواة في إنفاذ القانون الدولي؛ فالقانون يفقد جانبا من سلطته عندما تتحدد فاعليته بهوية الدولة المخالفة لا بطبيعة المخالفة ذاتها.
وتكمن إحدى أقوى رسائل الخطاب في أن الإشكالية ليست في توافر آليات المساءلة، وإنما في الانتقائية في تفعيلها. فعندما تفرض العقوبات في أزمات دولية، ثم تغيب عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن المسألة تتجاوز التقاعس السياسي إلى صدقية النظام الدولي ومبدأ المساواة في تطبيق قواعده.
والأعمق في هذا الطرح أن جلالة الملك نقل مسؤولية المجتمع الدولي من دائرة العجز إلى الاختيار، عندما اعتبر أن التقاعس السياسي العالمي ليس ناتجا عن قلة الخيارات، بل هو 'خيار' بحد ذاته. فالدول التي تمتلك وسائل الضغط ثم تمتنع عن استخدامها لا تستطيع الاحتماء بعدم القدرة على التأثير، ليصبح الاكتفاء بإدانة الانتهاكات دون إجراءات موقفا سياسيا له آثاره.
ولعل من أكثر جوانب الخطاب قوة أن جلالة الملك وضع ادعاء إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية يحكمها القانون في مواجهة ممارساتها على الأرض. فالحواجز التي تخنق حياة الفلسطينيين، وهدم المنازل والاستيلاء على الأراضي، ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى، واستهداف المستشفيات الميدانية، كلها ممارسات تكشف التناقض بين الصورة التي تقدمها إسرائيل عن نفسها والواقع الذي تفرضه على الفلسطينيين.
أما سياسيا، فقد رفض جلالة الملك الفصل بين غزة والضفة الغربية، مقدما قراءة لما يجري فيهما باعتباره مسارين مختلفين نحو غاية واحدة. ففي غزة يجري تقويض مقومات الحياة والاستقرار، وفي الضفة تتسارع سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع الجديدة، لتقود الممارسات في الحالتين إلى إضعاف إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وهنا تبرز خطورة ما أشار إليه جلالة الملك من 'تحول ما يفترض أن يكون مؤقتا إلى واقع دائم'؛ فاستمرار هذه السياسات في غياب المساءلة الدولية يكرس الوقائع المفروضة بالقوة، ويقوض حل الدولتين من أساسه.
كما رفض الملك تصوير الصراع باعتباره حرب أديان يكون فيها الإسلام في مواجهة اليهودية والمسيحية، معتبرا أن جوهر القضية هو حقوق الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، وليس مواجهة دينية. فنقل الصراع من الاحتلال والحقوق وتقرير المصير إلى صراع عقائدي يشوه حقيقته القانونية ويجعله أكثر استعصاء على التسوية السياسية.
ولم يقف التحليل عند فلسطين، بل امتد إلى جنوب سوريا، حيث ربط جلالة الملك بين التحركات الإسرائيلية هناك والأمن القومي الأردني، مؤكدا أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد مباشر للأردن. وتحمل هذه الرسالة بعدا يتجاوز التحذير؛ فهي تحدد المصالح الوطنية التي لا يقبل الأردن المساس بها، وتؤكد أن سياسة فرض الأمر الواقع، إذا امتدت إلى الحدود أو المياه، تنتقل من شأن إقليمي إلى قضية أمن قومي يدافع فيها الأردن عن سيادته ومصالحه.
بالمجمل، تجاوز خطاب جلالة الملك الدفاع عن فلسطين إلى الدفاع عن صدقية النظام الدولي نفسه، بلغة عكست حدة لافتة تجاه استمرار الانتهاكات وغياب المساءلة الدولية. فالقانون الذي لا ينفذ يفقد هيبته، والقرارات التي لا تتبعها إجراءات تبقى حبرا على ورق، والانتقائية تقوض الثقة بالمنظومة الدولية. فالرسالة الأردنية من نيويورك أن العالم يعرف ما يحدث في فلسطين، ويمتلك القانون والأدوات اللازمة للتحرك، وما ينقصه هو الإرادة السياسية لاستخدامها.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
l.nasrawin@ju.edu.jo