عندما يقف الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فهو لا يتحدث من موقع قائدٍ لدولة تراقب المنطقة من بعيد، لأن الأردن جزءٌ أصيل من المنطقة، وله خبرته التاريخية الممتدة في تحولاتها وصراعاتها الكبرى، وكثيرًا ما دفع ثمنًا باهظًا ومباشرًا لكل اختلال كان يصيب المنطقة، ولذلك فالحديث الملكي يرتقي إلى وثيقة تاريخية سيتذكرها العالم في حال اتخذ موقفًا فاعلًا تجاهها، وسيتذكرها أكثر لو لم يرتق إلى مسؤولياته أمامها.
للملك عبد الله الثاني خبرته الخاصة والعميقة في الدبلوماسية الدولية، فقد تعامل مع رؤساء أمريكيين وحكومات إسرائيلية متعاقبة، وعاصر الانتفاضة الثانية وغزو العراق والربيع العربي والحرب السورية وصعود تنظيم الدولة الإسلامية، وصولًا إلى الحرب على غزة وما تبعها من اتساع دائرة الصراع في المنطقة. ويحمل الملك في ثقافته السياسية تاريخًا لأسرة عريقة تعاملت لأكثر من قرن من الزمن مع الأزمات الكبرى في المشرق، ومن هذه المقدمات والحقائق تكتسب كلمته أمام الأمم المتحدة والعالم أهميتها ووزنها في هذه المرحلة بالغة الحساسية من التاريخ، ويوجه الملك خطابه للجميع في المشهد السياسي، وخاصة في وقت تكاثر فيه الطارئون من أصحاب الأفق الضيق والرؤية المحدودة، ليذكرهم بأن العالم لم يعد يتحمل المزيد من التجارب والأخطاء التي على مليارات البشر أن يدفعوا ثمنها بعد أن تغادر هذه النخبة غير المسؤولة مواقعها السياسية الحالية.
ومن هنا، لم يتردد الملك عبد الله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نقل الصراع إلى جذوره الوجودية، والتوقيت ليس مجرد تفصيل ثانوي، فالجميع الآن أمام فرصة أخيرة، والأردن ليس فاعلًا يتابع العالم وهو يتغير من حوله، وهذه المرة كانت الرسالة لإسرائيل قبل غيرها، خاصة أن الناخبين الإسرائيليين سيتوجهون إلى الانتخابات خلال فترة وجيزة، وأمامهم خيارات ثقيلة كانت رهانًا لليمين المتطرف الذي اتبع استراتيجية تصدير أزماته إلى الخارج، وكأنه يمكن أن يتعايش مع منطقة مأزومة من غير أن يدفع هو الآخر حصته من الثمن الباهظ الذي ترتسم ملامحه أمام الجميع.
من جديد يوجه الملك إصبع السبابة بوضوح ومباشرة إلى أساس المشكلة في المنطقة، التي لم يعد من المجدي المناورة حولها، كما لم يعد من الأخلاقي أو المقبول للضمير الإنساني أن تبقى في حالة الإفلات المستمر من العقاب، لأن ذلك هو ما سيجعلها تتوسع في طموحاتها. والأردن الذي واجه إسرائيل لعقود من الزمن على الجبهة الغربية من أراضيه يجدها تتسلل اليوم إلى حدوده الشمالية وتفرض واقعًا جديدًا يضغط عليه، وهو ما يمكن قراءة موقف الأردن منه بوضوح في الخطاب الملكي، بالتقدم إلى مرحلة جديدة ومتقدمة من المواجهة، وليس الإشاحة بنظره بعيدًا.
ما زال الأردن ملتزمًا تجاه الإقليم بمشاركته في جهود مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، والتعامل كبلد فاعل وإيجابي في البيئة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية، ولكنه، في الوقت نفسه، سيتصدى بما يلزم من أدوات من أجل أن يحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه في هذه المرحلة أمام محاولة التطويق الإسرائيلية التي تمتد من حوله.
نبرة التحذير الملكية كانت متوقعة في عمان وأوساطها السياسية في الأيام الأخيرة، فالأردن هو الذي يتلمس ويتعامل مباشرةً مع المطامع الإسرائيلية، والعالم المصاب بالصمم والعماء الذي تحمله الانتقائية والازدواجية في معاييره عليه أن يعرف أنه يكرر الأخطاء التاريخية الكبرى التي اقترفها قبل عقود من الزمن، وهو يشاهد الطموحات النازية تتمدد في أوروبا، ليصبح ثمن الإغضاء والتغافل فاتورةً خرافية التكلفة كان على الأوروبيين أن يدفعوا ثمنها قبل غيرهم، ولأجيال طويلة من الزمن.
أمام ما يهدد الأمن الأردني لا تبقى كثير من الخيارات، وليس على العالم أن يتوقع من الأردن أن يتلقى بسلبية الرهانات الإسرائيلية المتغطرسة، أو أن ينتظر حتى تتحول الوقائع الجديدة التي تفرضها إسرائيل من حوله إلى حقائق مستقرة يصعب تغييرها، فالأردن يعرف من خبرته الطويلة أن المؤقت في هذه المنطقة يمكن أن يصبح دائمًا، وأن ما يبدأ باعتباره استثناءً يمكن أن يتحول إلى قاعدة يدفع الجميع ثمنها.
الرسالة الملكية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تكن إعلانًا عن تخلي الأردن عن الدبلوماسية، وإنما تحذير من أن الدبلوماسية نفسها لا يمكن أن تعمل إلى ما لا نهاية في ظل وجود طرف يواصل تغيير الوقائع على الأرض، ويختبر في كل مرة المسافة التي يستطيع أن يقطعها من غير أن يجد من يوقفه.
هذه المرة لا يتحدث الأردن عن خطر بعيد، فإسرائيل التي بقيت لعقود على جبهته الغربية أصبحت بسياساتها وتحركاتها تضغط على المجال المحيط به، وتقترب من حدوده ومياهه ومصالحه المباشرة. ومن هنا، تصبح الفرصة الأخيرة التي تحدث عنها الملك مسؤوليةً تقع على العالم قبل أن تصبح استحقاقًا على الأردن، لأن الدول لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد تراقب الأخطار وهي تقترب من حدودها، ثم تتصرف وكأنها لا تراها.
ربما كانت هذه هي الرسالة الأكثر وضوحًا في الخطاب كله: ما زال أمام العالم وقت ليتحرك، ولكن الوقت نفسه لم يعد مفتوحًا.
للملك عبد الله الثاني خبرته الخاصة والعميقة في الدبلوماسية الدولية، فقد تعامل مع رؤساء أمريكيين وحكومات إسرائيلية متعاقبة، وعاصر الانتفاضة الثانية وغزو العراق والربيع العربي والحرب السورية وصعود تنظيم الدولة الإسلامية، وصولًا إلى الحرب على غزة وما تبعها من اتساع دائرة الصراع في المنطقة. ويحمل الملك في ثقافته السياسية تاريخًا لأسرة عريقة تعاملت لأكثر من قرن من الزمن مع الأزمات الكبرى في المشرق، ومن هذه المقدمات والحقائق تكتسب كلمته أمام الأمم المتحدة والعالم أهميتها ووزنها في هذه المرحلة بالغة الحساسية من التاريخ، ويوجه الملك خطابه للجميع في المشهد السياسي، وخاصة في وقت تكاثر فيه الطارئون من أصحاب الأفق الضيق والرؤية المحدودة، ليذكرهم بأن العالم لم يعد يتحمل المزيد من التجارب والأخطاء التي على مليارات البشر أن يدفعوا ثمنها بعد أن تغادر هذه النخبة غير المسؤولة مواقعها السياسية الحالية.
ومن هنا، لم يتردد الملك عبد الله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نقل الصراع إلى جذوره الوجودية، والتوقيت ليس مجرد تفصيل ثانوي، فالجميع الآن أمام فرصة أخيرة، والأردن ليس فاعلًا يتابع العالم وهو يتغير من حوله، وهذه المرة كانت الرسالة لإسرائيل قبل غيرها، خاصة أن الناخبين الإسرائيليين سيتوجهون إلى الانتخابات خلال فترة وجيزة، وأمامهم خيارات ثقيلة كانت رهانًا لليمين المتطرف الذي اتبع استراتيجية تصدير أزماته إلى الخارج، وكأنه يمكن أن يتعايش مع منطقة مأزومة من غير أن يدفع هو الآخر حصته من الثمن الباهظ الذي ترتسم ملامحه أمام الجميع.
من جديد يوجه الملك إصبع السبابة بوضوح ومباشرة إلى أساس المشكلة في المنطقة، التي لم يعد من المجدي المناورة حولها، كما لم يعد من الأخلاقي أو المقبول للضمير الإنساني أن تبقى في حالة الإفلات المستمر من العقاب، لأن ذلك هو ما سيجعلها تتوسع في طموحاتها. والأردن الذي واجه إسرائيل لعقود من الزمن على الجبهة الغربية من أراضيه يجدها تتسلل اليوم إلى حدوده الشمالية وتفرض واقعًا جديدًا يضغط عليه، وهو ما يمكن قراءة موقف الأردن منه بوضوح في الخطاب الملكي، بالتقدم إلى مرحلة جديدة ومتقدمة من المواجهة، وليس الإشاحة بنظره بعيدًا.
ما زال الأردن ملتزمًا تجاه الإقليم بمشاركته في جهود مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، والتعامل كبلد فاعل وإيجابي في البيئة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية، ولكنه، في الوقت نفسه، سيتصدى بما يلزم من أدوات من أجل أن يحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه في هذه المرحلة أمام محاولة التطويق الإسرائيلية التي تمتد من حوله.
نبرة التحذير الملكية كانت متوقعة في عمان وأوساطها السياسية في الأيام الأخيرة، فالأردن هو الذي يتلمس ويتعامل مباشرةً مع المطامع الإسرائيلية، والعالم المصاب بالصمم والعماء الذي تحمله الانتقائية والازدواجية في معاييره عليه أن يعرف أنه يكرر الأخطاء التاريخية الكبرى التي اقترفها قبل عقود من الزمن، وهو يشاهد الطموحات النازية تتمدد في أوروبا، ليصبح ثمن الإغضاء والتغافل فاتورةً خرافية التكلفة كان على الأوروبيين أن يدفعوا ثمنها قبل غيرهم، ولأجيال طويلة من الزمن.
أمام ما يهدد الأمن الأردني لا تبقى كثير من الخيارات، وليس على العالم أن يتوقع من الأردن أن يتلقى بسلبية الرهانات الإسرائيلية المتغطرسة، أو أن ينتظر حتى تتحول الوقائع الجديدة التي تفرضها إسرائيل من حوله إلى حقائق مستقرة يصعب تغييرها، فالأردن يعرف من خبرته الطويلة أن المؤقت في هذه المنطقة يمكن أن يصبح دائمًا، وأن ما يبدأ باعتباره استثناءً يمكن أن يتحول إلى قاعدة يدفع الجميع ثمنها.
الرسالة الملكية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تكن إعلانًا عن تخلي الأردن عن الدبلوماسية، وإنما تحذير من أن الدبلوماسية نفسها لا يمكن أن تعمل إلى ما لا نهاية في ظل وجود طرف يواصل تغيير الوقائع على الأرض، ويختبر في كل مرة المسافة التي يستطيع أن يقطعها من غير أن يجد من يوقفه.
هذه المرة لا يتحدث الأردن عن خطر بعيد، فإسرائيل التي بقيت لعقود على جبهته الغربية أصبحت بسياساتها وتحركاتها تضغط على المجال المحيط به، وتقترب من حدوده ومياهه ومصالحه المباشرة. ومن هنا، تصبح الفرصة الأخيرة التي تحدث عنها الملك مسؤوليةً تقع على العالم قبل أن تصبح استحقاقًا على الأردن، لأن الدول لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد تراقب الأخطار وهي تقترب من حدودها، ثم تتصرف وكأنها لا تراها.
ربما كانت هذه هي الرسالة الأكثر وضوحًا في الخطاب كله: ما زال أمام العالم وقت ليتحرك، ولكن الوقت نفسه لم يعد مفتوحًا.