كتاب

لماذا التجديد لمحافظ البنك المركزي؟

الإجابة لا تحتاج إلى الكثير من التخمين، فالأرقام خلال السنوات الماضية تقدم تفسيراً اقتصادياً واضحاً لقرار تجديد تعيين الدكتور عادل الشركس محافظاً للبنك المركزي لمدة خمس سنوات جديدة، خصوصاً فيما يتعلق بالجانب الأساسي من عمل البنك المركزي والمتمثل في المحافظة على الاستقرار النقدي وتعزيز متانة القطاع المصرفي. وطبعاً، فإن دلالات هذه الأرقام تشير إلى جهد جماعي ومؤسسي لجميع العاملين في البنك المركزي انعكس بوضوح على المؤشرات الاقتصادية المرتبطة مباشرة بالسياسة النقدية والاستقرار المالي.
ولعل أفضل طريقة لقراءة قرار التجديد اقتصادياً هي العودة إلى المؤشرات التي تقع في صميم عمل البنك المركزي. فالناظر ابتداءً إلى أرقام الاحتياطيات الأجنبية سيرى أنها قفزت من نحو 18 مليار دولار في نهاية عام 2021 إلى 28.4 مليار دولار في نهاية آب 2026، بزيادة تقارب 10.4 مليارات دولار، أو نحو 58 بالمئة. وهذا الارتفاع يعبر عن قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية - وما أكثرها - والحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار. والأهم أن هذا الارتفاع ترافق مع بقاء التضخم عند مستويات منضبطة، بمتوسط قارب 2 بالمئة خلال الفترة المشار إليها.
ومن هذه النقطة تحديداً تظهر أهمية إدارة السياسة النقدية بكفاءة، فالمحافظة على استقرار سعر الصرف ليست هدفاً منفصلاً عن الاحتياطيات والثقة بالدينار وقوته الشرائية، وإنما هي نتيجة لمنظومة متكاملة من إدارة الاحتياطيات والسيولة وأسعار الفائدة والرقابة المصرفية. والتحدي الحقيقي أمام راسم السياسة النقدية هو تحقيق هذا الاستقرار بأقل كلفة ممكنة على النشاط الاقتصادي، وهي معادلة ليست سهلة في اقتصاد صغير ومفتوح يتأثر بدرجة كبيرة بالتطورات الإقليمية والدولية.
أما المؤشر الثاني فهو بكل تأكيد واقع القطاع المصرفي. فقد تزامنت السنوات الماضية مع ارتفاع الودائع من 36.8 مليار دينار عام 2020 إلى 51.6 مليار دينار في نهاية تموز 2026، بزيادة تقارب 40 بالمئة. كما ارتفعت التسهيلات الائتمانية من 28.6 مليار دينار عام 2020 إلى 37.2 مليار دينار في نهاية تموز 2026، بزيادة تقارب 30 بالمئة.
لكن الأهم من نمو الودائع والائتمان هو أن هذا التوسع تزامن مع استمرار مؤشرات المتانة المصرفية عند مستويات مرتفعة. فقد بلغت كفاية رأس المال 18.2 بالمئة في نهاية النصف الأول من عام 2026، بينما بلغت السيولة القانونية 146.6 بالمئة خلال الفترة نفسها. وهذه مستويات تعكس قدرة القطاع المصرفي على استيعاب المخاطر والحفاظ على قدر مناسب من السيولة ورأس المال.
وهناك مؤشر آخر مهم يمكن النظر إليه بعناية، وهو العائد على حقوق المساهمين، فقد ارتفع من 5.1 بالمئة عام 2020 إلى 11.5 بالمئة في النصف الأول من عام 2026، كما ارتفع العائد على الموجودات من 0.6 بالمئة إلى 1.3 بالمئة. وفي الوقت نفسه، بقيت نسبة الديون غير العاملة إلى إجمالي الديون عند مستويات قريبة من السابق، إذ بلغت 5.6 بالمئة في النصف الأول من عام 2026 مقارنة مع 5.5 بالمئة عام 2020، بينما ارتفعت نسبة تغطية الديون غير العاملة من 71.5 بالمئة إلى 77.3 بالمئة.
أما نسبة الدولرة فقد انخفضت من 20.02 بالمئة عام 2020 إلى 17.59 بالمئة في عام 2026. وفي اقتصاد مثل الاقتصاد الأردني، فإن انخفاض الدولرة مع استمرار استقرار سعر الصرف يمثل مؤشراً مهماً على استقرار النظام النقدي والثقة بالعملة المحلية.
وبالنسبة إلى أرقام التحول الرقمي، فقد تضافرت جهود الجهات المختلفة، بقيادة البنك المركزي، لإحداث هذا التحول الكبير الذي أصبح ملموساً في الحياة الاقتصادية اليومية. فقد ارتفعت قيمة الحركات عبر نظام الدفع بواسطة الهاتف النقال من نحو 1.08 مليار دينار عام 2020 إلى 6.34 مليارات دينار عام 2025، وارتفع عدد الحركات من نحو 12 مليون حركة إلى أكثر من 102 مليون حركة. وفي نظام الدفع الفوري 'كليك'، ارتفعت قيمة الحركات إلى نحو 20 مليار دينار عام 2025، بينما تجاوز عدد الحركات 167 مليون حركة.
وهذا يعني أن دور البنك المركزي لم يقتصر على المحافظة على الاستقرار النقدي، بل امتد إلى تحديث البنية المالية وتعزيز المدفوعات الرقمية والشمول المالي والتكنولوجيا المالية. كما شهدت هذه الفترة خروج الأردن من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية في تشرين الأول 2023، بعد استكمال متطلبات خطة العمل المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
طبعاً، لا تزال التحديات ماثلة أمام الاقتصاد الأردني، وخاصة تلك المتعلقة بالنمو والإنتاجية والبطالة والاستثمار، وهي ملفات تتطلب جهداً مضاعفاً في السياسات الاقتصادية والمالية والاستثمارية والتشغيلية. لكن المؤشرات المرتبطة بصورة مباشرة بملفات السياسة النقدية ترسم حالة واضحة من الاستقرار والثقة. فالاحتياطيات مرتفعة، والتضخم مستقر نسبياً، والقطاع المصرفي يتمتع بمستويات مرتفعة من رأس المال والسيولة، كما أن الودائع والائتمان واصلا النمو، وتحسنت مؤشرات الربحية، وانخفضت الدولرة، وتسارعت عملية التحول الرقمي.
بكل تأكيد، لم يعد المطلوب فقط المحافظة على الاستقرار وإنما استخدام هذا الاستقرار لبناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو. وهذا يتطلب توجيه الائتمان بصورة أكبر نحو الاستثمار والإنتاج، وتعزيز الشمول المالي، والاستمرار في التحول الرقمي، وتعميق التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط القطاع المالي بصورة أكبر بالنمو والتشغيل والصادرات.
نعم، لقد نجح البنك المركزي بجهود جميع العاملين فيه وبقيادته المحترفة، في حماية الاستقرار النقدي والمصرفي في الأردن خلال الفترة السابقة، في ظروف إقليمية ودولية لم تكن سهلة. ولذلك يمكن قراءة قرار التجديد المبكر باعتباره رسالة ثقة بمؤسسة البنك المركزي وبنهجها في إدارة السياسة النقدية والحفاظ على الاستقرار المالي.