شهدت الجلسة الافتتاحية للمداولات العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة منعطفاً سياسياً استثنائياً، تجسد بالخطاب الناري والتاريخي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني، فقد تحوّل اعتلاء جلالته المنصة كأول المتحدثين من قادة العالم إلى فرصة حقيقية لصياغة السردية الصادقة والمكاشفة الصارمة أمام مجتمع دولي تعوّد لسنوات طويلة على سياسة إدارة الأزمات بدلاً من حلها الجذري، وجاء الخطاب الملكي مغايراً تماماً للغة الدبلوماسية التقليدية، حيث اتسم بالقوة والوضوح والمواجهة، وافتتح جلالته الكلمة بلفتة ذكية ومبتكرة حول تراجع مدة انتباه البشرية في عصر الشاشات الرقمية، محذراً بذكاء من خطورة تحوّل المآسي الإنسانية والقضايا المصيرية إلى مجرد أحداث عابرة تتنافس على الانتباه في عالم افتراضي متسارع، ومؤكداً أن المستقبل يصنعه ما نختار مواجهته، لا ما نختار تجاهله والهروب منه.
وجاءت الحرب على غزة في عمق ومركز هذا الخطاب الملكي، حيث قدّم جلالته تعريفاً حاسماً ومزلزلاً لرفض الفظائع الإنسانية المرتكبة هناك، مؤكداً أن الكارثة الإنسانية والدمار الهائل الذي يشهده قطاع غزة يمثل وصمة عار على جبين مجتمع دولي وقف عاجزاً أو متواطئاً بصمته المريب، وشدد جلالته على أن استهداف المدنيين والمستشفيات وحرمان الأبرياء من الغذاء والماء والدواء هو جريمة مكتملة الأركان تتطلب تحركاً دولياً فورياً لوقف إطلاق النار وإنهاء هذا العدوان الغاشم، معلناً أن الأردن لن يتخلى أبداً عن ثوابته، ولا عن دعم صمود الأشقاء، وتقديم الدعم المطلق لوكالة الأونروا لضمان إغاثة القطاع المنكوب.
ولم تقتصر الرؤية الملكية الثاقبة على البعد الإقليمي الجيوسياسي المباشر، بل ربط جلالته ببراعة كبيرة بين اتساع رقعة الحروب وتكلفة المعيشة اليومية لكل أسرة في العالم، وحذّر صراحة من أن اشتعال جبهات الصراع في لبنان واليمن والسودان لا يمثل مجرد أزمات محلية معزولة، بل هي مهددات مباشرة للاستقرار الكوني بأكمله، وضرب مثالاً حياً بما شهدته الممرات المائية الحيوية، مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، نتيجة الصراع والتصعيد الإقليمي والدولي، حيث قادت تلك التوترات السياسية والعسكرية إلى قفزات حادة وغير مسبوقة في فاتورة النفط والتأمين البحري العالمي، مما انعكس تضخماً مباشراً ومؤلماً مسّ قوت وغذاء كل بيت على كوكب الأرض، ليؤكد للعالم أجمع أن أحداً ليس بمعزل عن آثار هذه الفوضى.
وعلى صعيد القضية الفلسطينية، قاد الملك مواجهة علنية مع الأوهام الدولية، رافضاً بوضوح أي محاولة للفصل بين غزة والضفة الغربية، وسلّط جلالته الضوء على الجرائم الصامتة والممنهجة التي ترتكبها إسرائيل في الضفة الغربية، من استيطان متسارع ومصادرة أراضٍ واعتداءات مستمرة، واصفاً إياها بأنها تقع ضمن استراتيجية واحدة تهدف إلى التهجير القسري، الذي يعد جريمة حرب متكاملة، لتقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وامتد خطاب جلالته ليشمل سوريا، حيث أكد الملك على ضرورة تكثيف الدعم الدولي لصون أمنها واستقرارها، محذراً من مغبة ترك الساحة السورية عرضة لتجدد الفوضى أو التهديدات التي تمس دول الجوار، ومنها الحدود الشمالية والمائية للأردن. وفي ذات السياق، أعاد التأكيد على ثبات الموقف الأردني تجاه الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، بوصفها خط الدفاع الأول عن هوية المدينة المقدسة.
لقد أثبت جلالة الملك مجدداً، من فوق هذا المنبر الكوني، أن القوة العسكرية الغاشمة لا يمكنها بناء سلام أو إطعام جائع، ووضع المنظومة الدولية أمام اختبار حقيقي لشرعيتها، مؤكداً أن الأردن يمتلك رؤية شجاعة وواضحة تحوّل الدبلوماسية الأردنية إلى قوة رادعة بالكلمة والحجة القانونية والأخلاقية أمام العالم أجمع.
خطاب المكاشفة الشاملة
12:23 23-9-2026
آخر تعديل :
الأربعاء