ما استوقفني في الخطاب أن جلالته لم يتعامل مع الأزمات بوصفها أحداثاً عابرة، بل بوصفها قرارات مؤجلة لها أثمانها. فما يجري تجاهله اليوم قد يصبح واقعاً غداً، وما يُقبل به باعتباره استثناءً مؤقتاً قد يتحول مع الوقت إلى قاعدة، حتى يصبح الاعتياد على الأزمة بديلاً عن البحث عن حلها. وهنا لا يعود التجاهل موقفاً محايداً، بل يصبح، في حد ذاته، خياراً سياسياً تتحمل الأطراف نتائجه.
وفي القضية الفلسطينية، كان الموقف الملكي واضحاً في رفض اختزال المشكلة في غياب شريك للسلام. فالأردن، الذي حمل هذا الملف سياسياً ودبلوماسياً لعقود، يعرف أن المبادرات والمرجعيات والقرارات الدولية لم تكن غائبة، وأن المعضلة الحقيقية تكمن في تحويل الإرادة السياسية إلى فعل قادر على إنهاء الاحتلال وفتح الطريق أمام سلام عادل ودائم. ومن هنا جاءت الرسالة الملكية إلى المجتمع الدولي بأن العجز عن استخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية المتاحة ليس فراغاً في الموقف، بل موقف له تبعاته.
والأردن لا يتحدث عن القانون الدولي من برج بعيد عن الواقع. نحن دولة دفعت، وما تزال تدفع، أثماناً مباشرة لأزمات المنطقة، بحكم الجغرافيا والموقع وتشابك المصالح. ومع ذلك، لم يسمح الأردن لموقعه أن يحوله إلى جزء من الفوضى؛ بل اختار أن يكون دولة مؤسسات، ودولة قانون، ودولة دبلوماسية، تعرف كيف تدير تعقيدات الإقليم من دون أن تتخلى عن حقها في حماية أمنها ومصالحها.
وهنا تحديداً تبرز أهمية ما حمله الخطاب من تأكيد على أمن الأردن وسيادته ومصالحه. فحين يصبح أمن الحدود أو الأمن المائي موضع تهديد، فإن الأمر لا يتعلق بملف خارجي منفصل عن حياة الأردنيين، بل يمس صميم الأمن الوطني؛ لأن الأمن ليس حدوداً تُحمى فقط، وإنما ماءٌ وغذاءٌ وطاقةٌ واقتصادٌ وفرص عمل وقدرة دولة على حماية مستقبل أبنائها.
وهذه، في تقديري، واحدة من أهم دلالات الخطاب: الدبلوماسية الأردنية ليست بديلاً عن حماية المصالح الوطنية، وإنما إحدى أدوات حمايتها. الأردن يحاور، لكنه لا يغفل أمنه. يتمسك بالحلول السياسية، لكنه لا يخلط بينها وبين التنازل عن ثوابته. ويمد يده للسلام، لكنه يعرف تماماً أين تبدأ مصالح الدولة وأين تنتهي قدرة الآخرين على اختبار صبرها.
من هنا يمكن فهم صورة الأردن التي أراد جلالة الملك تثبيتها أمام العالم: دولة يمكن الاعتماد عليها، لا لأنها بلا مصالح أو حسابات، بل لأنها تعرف مصالحها وتعلنها بوضوح، وتفي بالتزاماتها، وتدرك أن الاستقرار ليس منحة من أحد، وإنما مسؤولية وطنية وسياسة دولة.
ولذلك فإن القول إن الأردن شريك في الحلول لا يعني أنه يقبل بأن يكون استقرار المنطقة على حساب استقراره. فالأردن يريد أن يكون جزءاً من صناعة السلام، لا من صناعة الأزمات، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يفصل أمنه الوطني عن محيطه، ولا أن يتعامل مع تداعيات الإقليم وكأنها تقع خارج حدوده.
ولم يكن الداخل الأردني غائباً عن هذه الرؤية. فمواجهة أزمات الحاضر وبناء المستقبل لا يمكن أن تكون مسارين منفصلين. الدولة التي تحمي أمنها اليوم مطالبة في الوقت ذاته بأن تبني اقتصادها، وتطور مؤسساتها، وتفتح الفرص أمام شبابها، وتحمي مواردها، وتستثمر في الإنسان. فالأردن لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد بمنطق الطوارئ، ولا أن يسمح للأزمات الإقليمية بأن تصبح ذريعة لتأجيل المستقبل.
وهنا أرى أن خطاب جلالة الملك تجاوز الحديث عن أزمة بعينها إلى الدفاع عن فكرة الدولة نفسها: دولة تحمي سيادتها، وتحترم القانون، وتؤمن بالدبلوماسية، وتتمسك بالتزاماتها، لكنها لا تقبل أن يتحول القانون إلى قيد عليها بينما يصبح انتهاكه من الآخرين أمراً يمكن تجاوزه.
أما القضية الفلسطينية والقدس والمقدسات وحل الدولتين، فهي في السياسة الأردنية ليست عناوين موسمية ترتفع مع ارتفاع حرارة الأحداث وتنخفض بانخفاض التغطية الإعلامية. إنها ثوابت سياسية ظل الأردن متمسكاً بها، انطلاقاً من موقعه ومسؤوليته ودوره التاريخي، ومن قناعته بأن السلام الحقيقي لا يُبنى على تجاهل الحقوق ولا على إدارة الصراع إلى ما لا نهاية.
ولعل أخطر ما في الأزمات الطويلة أن يتحول الألم إلى خبر عابر، والاحتلال إلى واقع معتاد، والخرق إلى سابقة، والصمت إلى سياسة. وعندها لا يصبح السؤال: ماذا فعل العالم؟ بل: ماذا اختار العالم ألا يفعل؟
لهذا بقيت فكرة المستقبل هي الأكثر حضوراً في ذهني بعد الخطاب. فالدول لا تصنع مستقبلها بما تفعله فقط، وإنما أيضاً بما ترفض أن تتجاهله، وبما تختار أن تدافع عنه قبل أن يصبح الدفاع عنه أكثر كلفة.
ومن موقعي كأردني، أقرأ الرسالة الملكية باعتبارها أكثر من موقف في محفل دولي. إنها تذكير بأن الأردن، رغم محدودية موارده وحساسية موقعه، لا يريد أن يكون أسير الجغرافيا ولا رهينة للأزمات. هو يعرف أن أمنه الوطني مرتبط بما يجري حوله، وأن استقراره ليس منفصلاً عن أمن الإقليم، وأن معيشة الأردنيين ومستقبلهم جزء أصيل من معنى الأمن الوطني.
لهذا لا أرى أن رسالة الأردن للعالم كانت مجرد طلب بأن ينظر إليه، بل كانت إعلاناً هادئاً وواضحاً: نحن نرى ما يحدث، ونعرف مصالحنا، ونتمسك بمبادئنا، ونختار السلام، لكننا لا نتجاهل ما يمس أمننا وسيادتنا ومستقبل شعبنا.
وهنا يصبح التجاهل قراراً، كما يصبح الحضور قراراً، ويصبح الصمت موقفاً، كما يصبح الكلام مسؤولية.
وفي السياسة، ليست القوة دائماً في ارتفاع الصوت؛ أحياناً تكون في أن تعرف الدولة ماذا تريد، وما الذي تقبله، وما الذي لا تستطيع أن تسمح بتحوله إلى أمر واقع.
وهذا، في تقديري، هو أحد أهم ما قاله الأردن للعالم من فوق منبر الأمم المتحدة.