كتاب

عبقرية الملك.. شجاعة الحقيقة في زمن الصمت

في الخطابات الدولية الكبرى، لا تكمن القوة في عدد القضايا التي تُطرح، بل في القدرة على رؤية الخيط الذي يربط بينها، ووضع العالم أمام حقيقة يحاول كثيرون تأجيل مواجهتها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، باعتباره خطاباً يتجاوز توصيف الأزمات إلى تفكيك آليات إنتاجها واستمرارها.
وهنا تحديداً تكمن عبقرية المقاربة الملكية. فجلالة الملك لم يبدأ من غزة أو أوكرانيا أو السودان، بل من مفهوم يبدو للوهلة الأولى بعيداً عن السياسة: 'الانتباه'
هذا الاختيار ليس عابراً. فجلالة الملك، الذي راكم على مدى عقود خبرة سياسية ودبلوماسية عميقة، يدرك أن أخطر ما يواجه القضايا العادلة ليس دائماً غياب الأدلة أو انعدام الحلول، وإنما تراجع الاهتمام بها.
وهنا تتحول الفكرة إلى قراءة سياسية بالغة الذكاء: ما يمنحه العالم انتباهه يحصل على مساحة في أجندته، وما يتوقف عن الاهتمام به يمكن أن يستمر في التدهور بعيداً عن الضغط الدولي. وهكذا نقل جلالة الملك 'الانتباه' من كونه مورداً معرفياً إلى كونه مورداً جيوسياسياً؛ وهذه من أكثر نقاط الخطاب شجاعة.
ومن هذا المدخل، يعيد جلالة الملك وضع القضية الفلسطينية في مكانها الصحيح. فغزة ليست أزمة منفصلة عن الضفة الغربية، والقضية الفلسطينية ليست أزمة إنسانية فقط، بل قضية سياسية وقانونية وأمنية وأخلاقية. وإذا كان التهجير القسري محظوراً بموجب القانون الدولي، فلا ينبغي أن تختفي هذه الحقيقة خلف المصطلحات السياسية. وإذا كان القانون الدولي قاعدة عالمية، فإن قيمته تتضرر عندما يصبح تطبيقه انتقائياً.
وهنا يتجاوز الخطاب حدود القضية الفلسطينية ليطرح سؤالاً أكبر: ماذا يبقى من النظام الدولي إذا أصبحت القواعد قابلة للتطبيق على البعض وغير قابلة للتطبيق على البعض الآخر؟ فالأردن لا يدافع عن حقوق الفلسطينيين فحسب، بل يدافع أيضاً عن نظام دولي يفترض أن يحمي حقوق الشعوب جميعاً.
ومن هنا يمكن فهم الحضور القوي لفلسطين في الخطاب باعتباره دفاعاً عن مبدأ أوسع: لا يمكن بناء سلام مستدام من دون عدالة، ولا يمكن حماية الاستقرار عبر إدارة الصراع إلى ما لا نهاية. فجلالة الملك، بحكم موقع الأردن وخبرته الطويلة، يعرف أن ما يحدث في فلسطين لا يبقى في فلسطين.
وهنا تظهر عبقرية أخرى في بناء الخطاب: ربط القضية الفلسطينية مباشرة بأمن المنطقة، من سوريا والحدود إلى المياه والتجارة والطاقة والغذاء والاستقرار الإقليمي. إنها رؤية استراتيجية ترى الشرق الأوسط منظومة مترابطة، وترى أمن الأردن جزءاً من معادلة أوسع.
فالأردن يؤمن بالدبلوماسية، لكنه لا يخلط بينها وبين التراخي. وهو منفتح على الحوار، لكنه لا يساوم على أمنه، ويعمل من أجل السلام، لكنه لا يعتبر السلام قبولاً بالأمر الواقع. وفي الوقت نفسه، يواصل دوره الدبلوماسي والإنساني، ويحافظ على مسؤوليته التاريخية والهاشمية في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
إنها سياسة لا تقوم على رد الفعل، بل على إدارة الحاضر وصناعة المستقبل في آن واحد.
ولذلك، فإن شجاعة جلالة الملك لم تكن شجاعة الموقف فقط، بل شجاعة الرؤية؛ والعبقرية لم تكن في قوة العبارة وحدها، بل في تحويل مفهوم بسيط مثل 'الانتباه' إلى مفتاح لقراءة السياسة الدولية، وكشف العلاقة بين الصمت والتقاعس واستمرار الأزمات.
وفي عالم يزداد ضجيجاً كل يوم، كانت رسالة جلالة الملك في نيويورك واضحة: الحقيقة لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى من يملك شجاعة رؤيتها، وشجاعة تسميتها، وشجاعة التحرك من أجلها.