لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب سياسي في مناسبة دولية، بل كان امتداداً لصوت أردني حمل القضية الفلسطينية إلى مختلف المنابر، واضعاً معاناة شعبها وحقه في الحرية والدولة والسلام أمام ضمير العالم.
منذ اللحظة الأولى، اختار جلالته أن يتحدث عن «الانتباه» باعتباره مسؤولية سياسية وأخلاقية، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية ليس غياب الحق، وإنما أن تصبح المأساة مع مرور الوقت خبراً عابراً، وأن يتحول الألم إلى مشهد معتاد لا يحرك المجتمع الدولي.
من غزة إلى الضفة الغربية، حمل الملك الهم الفلسطيني بكل وضوح، رافضاً اختزال المشهد في أحداث منفصلة أو التعامل معه باعتباره أزمة مؤقتة تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية ، فغزة بما تعرضت له من دمار ومعاناة إنسانية، والضفة الغربية بما تشهده من استيطان ومصادرة للأراضي وتهجير وعنف، كما أكد جلالته، وجهان لمسار واحد يهدد مستقبل الفلسطينيين وحقهم في إقامة دولتهم، وهنا تتجلى أهمية الخطاب الملكي في نقل القضية من خانة إدارة الأزمة إلى ضرورة معالجة جذورها وإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل.
ولم يكتف جلالة الملك بوصف المأساة، بل وضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية القانون الدولي، فحين تصبح الانتهاكات المتكررة أمراً مألوفاً، وحين تتراكم القرارات دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، فإن الخطر لا يطال الفلسطينيين وحدهم، بل يطال منظومة العدالة الدولية بأكملها ، ولذلك جاءت الرسالة الملكية حاسمة في ضرورة تسمية الوقائع بمسمياتها، وعدم السماح للغة السياسية بأن تخفف من فداحة ما يجري على الأرض أو تمنح الظلم غطاءً من الاعتياد.
وفي قلب هذا الموقف، برزت القدس باعتبارها قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، وترتبط بتاريخ وهوية ومكانة دينية وإنسانية راسخة ، وتجدد التأكيد الملكي على مواصلة حمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها، في إطار موقف أردني ثابت يرى في حماية القدس ومقدساتها جزءاً أصيلاً من المسؤولية تجاه المدينة وأهلها ومستقبلها.
ويحمل الخطاب كذلك بعداً أردنياً لا ينفصل عن القضية الفلسطينية؛ فالأردن الذي يرفع صوته دفاعاً عن حقوق الفلسطينيين هو نفسه الذي يراقب انعكاسات الصراع على أمن المنطقة وحدوده ومياهه واستقراره ، ومن هنا جاء الربط بين استمرار الأزمة الفلسطينية واتساع دائرة التوتر الإقليمي، مع تأكيد جلالة الملك أن الأردن متمسك بالدبلوماسية والسلام، لكنه في الوقت ذاته لن يسمح بأن تتحول التهديدات المحيطة إلى أمر واقع يمس أمنه الوطني ومصالح شعبه.
وفي الجانب الإنساني، لم تغب عن الخطاب مسؤولية الأردن تجاه الشعب الفلسطيني، سواء من خلال دعم صموده، أو مواصلة مساندة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، أو الدور الأردني في تقديم المساعدة الإنسانية ، وهي مسؤولية لا ينظر إليها الأردن باعتبارها موقفاً ظرفياً تفرضه الأحداث، بل امتداداً لدور تاريخي وسياسي وإنساني تجاه القضية الفلسطينية، التي بقيت حاضرة في الخطاب الأردني رغم تعاقب الأزمات وتبدل أولويات العالم.
ويؤكد خطاب الملك أن القضية الفلسطينية ليست بنداً في جدول أعمال مزدحم يمكن تأجيله كلما ظهرت أزمة جديدة، لأن تأجيل العدالة لا يلغي القضية، وإنما يزيد تعقيدها ، ولذلك كان تحذير جلالته من أن يتحول «المؤقت إلى دائم» رسالة إلى العالم بأن الوقت ليس محايداً، وأن استمرار الصراع دون حل يتيح للوقائع المفروضة على الأرض أن تتسع، ويجعل الوصول إلى السلام أكثر صعوبة، وفي ذلك تتجسد إحدى أبرز سمات الموقف الأردني: إبقاء فلسطين في دائرة الضوء وعدم السماح بأن تزيحها أزمات المنطقة والعالم إلى الهامش.
وفي ختام خطابه، أعاد جلالة الملك صياغة جوهر الرسالة في صورة أوسع: العالم لا يُختبر فقط بما يفعله، وإنما بما يختار تجاهله ، ومن هذه الزاوية، بدا خطاب الملك أمام الأمم المتحدة صوتاً يحمل القضية الفلسطينية من ساحات الألم إلى منصة القرار الدولي، ويضع أمام العالم مسؤولية لا تنتهي بتوقف الكاميرات؛ مسؤولية أن يبقى الحق حاضراً، وأن تبقى معاناة الفلسطينيين مرئية، وأن يبقى السلام العادل هدفاً لا تسقطه كثرة الأزمات ولا تبدل الاهتمام الدولي.
الملك في الأمم المتحدة.. يحمل وجع فلسطين إلى ضمير العالم
08:11 22-9-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء