عربي ودولي

إسرائيل بين ((قوة إقليمية)) وانهيار داخلي

«الجدار الحديدي 2».. استراتيجية تتجاوز الردع إلى إعادة تشكيل المنطقة

كشفت صحيفة «معاريف» العبرية، في تقرير للكاتبة شير-لي غولان بعنوان: «إما أن نكون قوة عظمى إقليمية أو ننهار»، نتائج بحث أجرته مؤسسة «Mind Israel» بمشاركة نحو 100 خبير، وناقش مجموعة من القضايا التي تعتبرها المؤسسة أساسية لمستقبل إسرائيل ومكانتها الإقليمية.

ويكتسب التقرير أهمية خاصة لكونه صادراً عن مؤسسة تنشط في مجال أبحاث الأمن القومي والاستراتيجية الإسرائيلية، ويقدم تصوراً لكيفية تعامل قطاعات من المؤسسة الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية مع التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، ومستقبل العلاقات مع دول المنطقة، وموقع القضية الفلسطينية في هذه الرؤية.

وتترأس مؤسسة «Mind Israel» اللواء المتقاعد عاموس يدلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، فيما يشغل الدكتور أفنير غولوب منصب نائب الرئيس للبحوث.

ووفق ما تعرضه المؤسسة عن نفسها، فإنها تعمل في مجالات الأمن القومي والاستراتيجية، وتسعى إلى تقديم المعرفة والاستشارات للمؤسسات المعنية بالأمن القومي، والمساهمة في بلورة وتنفيذ استراتيجيات إسرائيلية طويلة المدى.

ويندرج البحث ضمن برنامج أوسع يتناول ملفات من بينها إيران، وديناميات الشرق الأوسط والتنافسات الإقليمية، والفلسطينيون والمنطقة، والتنافس بين القوى الكبرى، والعلاقات الأميركية الإسرائيلية.

وفي قلب هذا التصور تبرز فكرة «الجدار الحديدي 2»، التي يشرحها غولوب بالقول إن إسرائيل مطالبة بالانتقال من مفهوم «الجدار الحديدي» التقليدي إلى مرحلة جديدة، بحيث لا تكتفي بمنع أعدائها من اختراق الجدار الذي أقامته، وإنما تعمل على «تصميم الواقع» في الجانب الآخر منه.

وتعيد هذه الفكرة إحياء مفهوم «الجدار الحديدي» الذي ارتبط تاريخياً بالزعيم الصهيوني زئيف جابوتنسكي، لكنه يُطرح هنا في سياق مختلف، إذ لا يقتصر على الردع والدفاع، بل يتجه، وفق ما يورده التقرير، نحو التأثير في البيئة الإقليمية المحيطة بإسرائيل وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، ينقل عن غولوب قوله إن إسرائيل تحتاج، إلى جانب الجدران، إلى «الجسور»، وإن عليها بناء «معسكر إقليمي يحطم الجغرافيا» ويعزز موقع إسرائيل ويجذب إليه دولاً عربية.

ويكشف هذا الطرح عن تصور يقوم على الجمع بين القوة العسكرية وشبكات الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن، بهدف بناء منظومة إقليمية تصبح فيها إسرائيل مركزاً رئيسياً للروابط بين الدول المشاركة.

ويتقاطع ذلك مع مشاريع إقليمية مثل «الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا» (IMEC)، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر شبكة من البنى التحتية والموانئ والسكك الحديدية والممرات التجارية.

وبحسب تحليلات غربية للمشروع، فإن موقع إسرائيل الجغرافي والتكنولوجي يمكن أن يمنحها دوراً محورياً في هذه الشبكة، بما يعزز مكانتها كحلقة وصل بين الأسواق والقارات.

وفي الرؤية التي يعرضها البحث الإسرائيلي، تبدو هذه المشاريع جزءاً من عملية أوسع لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية على أساس المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية.

غير أن السؤال الذي يبرز هنا يتعلق بموقع القضية الفلسطينية في هذه المعادلة، فبينما تتحدث الرؤية عن «تحطيم الجغرافيا» وبناء شبكة إقليمية عابرة للحدود، لا تظهر القضية الفلسطينية في مركز المشروع السياسي، وإنما يجري تناولها في إطار أمني وإقليمي أوسع، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استعداد هذه الرؤية للتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم طرفاً سياسياً له حقوق وطنية، وليس مجرد ملف أمني أو ديموغرافي.

ويظهر البعد الديموغرافي أيضاً في القضايا التي حددتها الدراسة باعتبارها من الملفات التي تحتاج إلى معالجة، ومنها العلاقات بين الحريديم والعرب داخل إسرائيل.

ويشير ذلك إلى أن مسألة دمج المواطنين العرب تُناقش، في بعض هذه التصورات، ضمن اعتبارات الدولة الأمنية والاقتصادية والديموغرافية، إلى جانب أبعادها المدنية والسياسية.

أما في ما يتعلق بالضفة الغربية وقطاع غزة، فتقدم دراسات صادرة عن مراكز أبحاث أمنية إسرائيلية تصورات تقوم على الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مع استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية بدرجات مختلفة.

وتطرح بعض هذه التصورات ترتيبات تتعلق بالأرض والحكم والاقتصاد، مع الحفاظ على هامش واسع من السيطرة الأمنية الإسرائيلية.

وتتضح الرؤية أكثر في عبارة أخرى ينقلها التقرير عن غولوب، يدعو فيها إلى الانتقال من مفهوم «القيم المشتركة» إلى «شركاء ذوي قيمة»، بحيث تصبح إسرائيل طرفاً تعتمد عليه الدول الأخرى في التكنولوجيا والأمن والأكاديميا، بما يؤدي إلى بناء منظومة علاقات تقوم على الاعتماد المتبادل، لكن مع احتفاظ إسرائيل بموقع مركزي فيها.

ويتقاطع هذا الطرح مع نقاشات أوسع في مراكز الدراسات الأميركية حول التحول في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وما إذا كانت إسرائيل تنتقل من استراتيجية تقوم أساساً على الردع إلى استراتيجية تعتمد بصورة أكبر على المبادرة العسكرية والاستباق واستخدام القوة لتغيير البيئة المحيطة بها.

لكن اللافت في الدراسة ليس فقط ما تقوله عن طموح إسرائيل الإقليمي، وإنما أيضاً اعترافها بمواطن ضعف داخلية ترى المؤسسة الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية أنها قد تعرقل تحقيق هذا الطموح.

ويقول غولوب، بحسب التقرير، إن إسرائيل قادرة على أن تصبح «قوة عظمى إقليمية»، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن «أساساتها صدئة»، وأن عدم معالجة هذه الأسس قد يؤدي، وفق تعبيره، إلى انهيار البناء بأكمله.

وتحدد الدراسة ستة ملفات أساسية تحتاج إلى معالجة، تشمل المكانة الإقليمية لإسرائيل، وجودة رأس المال البشري، والعلاقة بين الاقتصاد والأمن، والحوكمة والمناعة القومية، والتغيرات الديموغرافية، والعلاقات مع الولايات المتحدة ويهود الشتات.

وتعكس هذه الأولويات إدراكاً داخل بعض دوائر الأمن القومي الإسرائيلي بأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لبناء قوة إقليمية مستدامة، وأن الانقسامات السياسية والاجتماعية وأزمات الحوكمة والعلاقات مع الحلفاء يمكن أن تتحول إلى عوامل تحد من القدرة على تنفيذ المشروع الاستراتيجي.

وفي هذا السياق، تبدو عبارة غولوب بأن «الحضارات لا تُصفى من الخارج بل تنتحر» بمثابة تحذير من مخاطر التآكل الداخلي، وليس إعلاناً عن انتصار مكتمل للمشروع الإسرائيلي.

ومن ثم، فإن التقرير يقدم صورة مركبة: طموح إسرائيلي متزايد لتعزيز المكانة الإقليمية من جهة، واعتراف بمواطن ضعف داخلية يمكن أن تقوض هذا الطموح من جهة أخرى.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين والدول العربية، فإن أهمية هذا النقاش تكمن في أن الرؤية المعروضة لا تضع التسوية السياسية للقضية الفلسطينية في مقدمة عملية إعادة تشكيل المنطقة، بل تركز بصورة أكبر على بناء منظومة إقليمية من التعاون الاقتصادي والأمني والتكنولوجي، تكون إسرائيل فيها أحد مراكز القوة الرئيسية.

وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت مشاريع التكامل الإقليمي قادرة على الاستمرار من دون معالجة القضية الفلسطينية، أو ما إذا كان تجاوز الصراع سيؤدي إلى تأجيله بدلاً من حله.

كما أن الحديث عن «شركاء ذوي قيمة» يفتح نقاشاً حول طبيعة العلاقات التي تسعى إسرائيل إلى بنائها مع الدول العربية: هل هي علاقات تقوم على المصالح المتبادلة والمتوازنة، أم منظومة يصبح فيها التفوق الإسرائيلي في التكنولوجيا والأمن عاملاً رئيسياً في تحديد شكل العلاقة وحدودها؟

وفي النهاية، تكشف هذه الرؤية عن تحول في التفكير الاستراتيجي لدى قطاعات إسرائيلية من التركيز على حماية الدولة من بيئتها الإقليمية إلى محاولة التأثير بصورة مباشرة في هذه البيئة وإعادة تشكيلها. وبين «الجدار الحديدي» التقليدي و«الجدار الحديدي 2» المطروح حالياً، تبدو المسألة الأساسية هي الانتقال من سياسة تقوم على انتظار الخصوم خلف حدود إسرائيل إلى سياسة تسعى إلى تشكيل الواقع الإقليمي قبل أن يصل تهديده إلى تلك الحدود.

لكن نجاح هذا المشروع، كما تكشف الدراسة نفسها، لا يرتبط بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بقدرة إسرائيل على معالجة تناقضاتها الداخلية، والحفاظ على علاقاتها الدولية، وبناء منظومة إقليمية تقبل بها دول المنطقة، إضافة إلى كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية التي لا تزال أحد أهم محددات الاستقرار في الاقليم.