كتاب

من السياسة إلى الأثر

دخل التحديث السياسي في الأردن إلى مساحة أكثر جدية من سؤال المشاركة وعدد الأحزاب. السؤال الآن هو: ماذا ستضيف السياسة إلى الدولة؟ لأن توسيع المجال السياسي لا تكون قيمته في عدد من يدخلون إليه، بل في نوعية الأفكار والبدائل التي تدخل معهم، وفي قدرتها في النهاية على تحسين حياة الناس.
وهنا تلتقي السياسة بالاقتصاد مباشرة. فالتحديث الاقتصادي لا يُقاس فقط بعدد الخطط والمشاريع التي تُعلن، بل بما تتركه على الأرض: استثمار يبدأ فعلاً، مصنع يتوسع، فرصة عمل جديدة، شركة أردنية تجد سوقاً، مشروع في محافظة يحرك نشاطاً حوله، وطريق أو ماء أو طاقة تزيل عائقاً كان يمنع الاستثمار. هذه هي المسافة التي يجب أن تساعد السياسة في اختصارها: المسافة بين الفكرة والنتيجة.
فالأردن لا يحتاج من السياسة أن تعيد عليه وصف مشكلاته الاقتصادية؛ هو يعرفها. البطالة معروفة، وتحديات الاستثمار والإنتاج والنقل والطاقة معروفة، والفوارق بين المحافظات معروفة. المطلوب هو الخطوة التالية: أين توجد فرصة لم نستغلها؟ لماذا تعطل استثمار كان يمكن أن ينجح؟ ما التشريع الذي يرفع كلفة العمل؟ وما القرار الذي يمكن تغييره حتى يتحول قطاع ما من مشكلة نناقشها كل عام إلى مصدر دخل وفرص عمل؟
هنا تحديداً يصبح للحزب معنى اقتصادي حقيقي. الحزب الجاد لا ينتظر صدور أرقام النمو والبطالة ليعلق عليها، بل يبني معرفة تسمح له بالدخول في تفاصيل الاقتصاد نفسه. فإذا تحدث عن التشغيل، فليقل أين يمكن خلق الوظائف وكيف. وإذا طالب بجذب الاستثمار، فليحدد ما الذي يعطل المستثمر. وإذا تحدث عن المحافظات، فليعرف ماذا تستطيع كل محافظة أن تنتج أو تستقطب، وما الذي ينقصها حتى تفعل ذلك.
عندها يصبح البرنامج السياسي قابلاً للقياس. لا نسأل فقط إن كانت الفكرة جميلة، بل ماذا ستفعل بالنمو والعمل والدخل والاستثمار، وكم تحتاج حتى تظهر نتيجتها.
والبرلمان جزء أساسي من هذه المعادلة، لأن كثيراً من القرارات الاقتصادية تمر بالتشريع والموازنة والرقابة. السؤال عن أي قانون اقتصادي يجب ألا يتوقف عند سلامة نصه؛ يجب أن يمتد إلى أثره. هل يسهل إنشاء الأعمال أم يعقدها؟ هل يخفض كلفة الاستثمار أم يضيف كلفة جديدة؟ هل يساعد المشروع الصغير على النمو؟ وهل يؤدي الإنفاق العام إلى نشاط اقتصادي جديد أم ينتهي أثره بانتهاء الإنفاق؟
أما الإدارة المحلية، فأعتقد توجد هنا واحدة من أكبر المساحات التي يمكن أن يلتقي فيها التحديث السياسي بالتحديث الاقتصادي بصورة يراها المواطن مباشرة. الاقتصاد لا يحدث في عمان وحدها، ولا في الأرقام الوطنية فقط. يحدث عندما يأتي استثمار إلى الكرك، أو يتوسع نشاط صناعي في المفرق، أو تنشأ فرصة سياحية في الطفيلة، أو يستفيد مشروع في إربد من المعرفة والمهارات الموجودة حوله، أو يتحول موقع مميز في محافظة إلى نشاط يوفر دخلاً لأهلها.
ولهذا فإن معرفة المحافظة بنفسها مسألة اقتصادية وليست إدارية فقط. المركزية ليست دائماً مركزية القرار؛ أحياناً تكون مركزية المعرفة نفسها. المحافظة تعرف الأرض المتاحة، والمهارات الموجودة، والمشروع المتعطل، والطريق الذي يحتاجه المستثمر، والقطاع الذي يستطيع النمو، والعائق الصغير الذي قد يكون في الحقيقة سبباً في تعطيل استثمار كبير.
وحين تصل هذه المعرفة إلى القرار الوطني، تصبح التنمية أكثر دقة. بدلاً من أن نتحدث عن تنمية المحافظات كمفهوم عام، يصبح لكل محافظة سؤال اقتصادي واضح: ما الذي تستطيع هذه المحافظة أن تضيفه إلى الاقتصاد الأردني، وما الذي تحتاجه حتى تفعل ذلك؟
هذا السؤال وحده يمكن أن يغير الكثير. لأنه ينقل العلاقة بين المركز والمحافظة من المطالبة بحصة من الإنفاق إلى البحث عن قدرة على الإنتاج. فالهدف ليس أن يصل المال العام إلى المحافظة ثم ينتهي أثره، بل أن يساعدها على خلق نشاط يبقى بعدها: مشروع يجذب مشروعاً آخر، صناعة تبني حولها خدمات، موقع سياحي يخلق أعمالاً صغيرة، أو بنية تحتية تفتح منطقة جديدة أمام الاستثمار.
ومن هنا يمكن النظر إلى الأحزاب والبرلمان والإدارة المحلية كروافد للتحديث الاقتصادي أيضاً. الحزب يستطيع أن يقترح، والبرلمان يستطيع أن يكشف أثراً لم يكن محسوباً، والمستوى المحلي يستطيع أن يحدد فرصة أو عائقاً لا يظهر من عمان، والحكومة تملك القدرة التنفيذية والصورة الوطنية التي تجمع كل ذلك. والنتيجة التي تهم المواطن في النهاية بسيطة جداً: هل وُجدت فرصة عمل؟ هل تحرك الاستثمار؟ هل ارتفع النشاط في محافظته؟ وهل أصبحت الخدمة أو البنية التحتية أفضل؟
وهنا تظهر، برأيي، قوة النظرة الملكية التي وضعت التحديث السياسي والاقتصادي والإداري ضمن تصور وطني أوسع. فهذه المسارات تصبح أكثر قيمة عندما تخدم بعضها: السياسة توسع دائرة الأفكار، والاقتصاد يحول الأفكار الجيدة إلى فرص ومشاريع ودخل، والإدارة تجعل التنفيذ ممكناً.
ولهذا لا أرى نجاح التحديث السياسي منفصلاً عن الاقتصاد. بعد سنوات، لن يكون السؤال المهم فقط كم حزباً أصبح لدينا أو كم شخصاً دخل الحياة السياسية. سيكون السؤال أكثر واقعية: هل ساهمت فكرة سياسية في خلق فرصة اقتصادية؟ هل اكتشفت محافظة مشروعاً كان غائباً عن الاهتمام؟ هل تغير تشريع ففتح باباً أمام الاستثمار؟ هل تحسن قرار اقتصادي لأن البرلمان أو حزباً أو مجلساً محلياً رأى شيئاً لم يكن ظاهراً؟
هنا تصبح نتائج التحديث قابلة للرؤية والقياس: وظيفة لم تكن موجودة، استثمار لم يكن ليأتي، مشروع خرج من الورق إلى الأرض، ومحافظة أصبحت تنتج جزءاً أكبر من دخلها وفرصها. عندها لا يعود التحديث السياسي والاقتصادي والإداري ثلاثة عناوين متجاورة؛ يصبح كل واحد منها سبباً في أن ينجح الآخر.
محامٍ وخبير قانوني
yazan.haddadin@haddadinlaw.com