شهدت الأسواق هذا الأسبوع تراجعاً محدوداً في أسعار النفط بعد انحسار جزء من المخاوف بشأن توقف الإمدادات السعودية، لكن الأسعار بقيت عند مستويات مرتفعة قرب 104 دولارات لبرميل برنت و101 دولار لخام غرب تكساس. ويظل السوق رهيناً بالتطورات الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، في وقت أصبحت فيه أزمة المشتقات، وخاصة الديزل، أكثر حدة من أزمة الخام نفسه بسبب تضرر المصافي وانخفاض المخزونات.
أولاً: أسعار النفط والمشتقات
في جلسة الجمعة 18 أيلول:
برنت: نحو 104.1 دولار للبرميل، منخفضاً قرابة 0.8 دولار في الجلسة، وعلى مسار تراجع أسبوعي محدود بنحو 0.5%.
غرب تكساس: نحو 101.2 دولار، منخفضاً قرابة 0.7 دولار في الجلسة.
بقيت الأسعار أعلى بكثير من مستويات ما قبل الأزمة، إذ ارتفع برنت بنحو 15% خلال الشهر الحالي وفق تقديرات السوق.
المشتقات النفطية
الصورة الأكثر تشدداً تظهر في سوق المنتجات، ولا سيما:
الديزل: وصل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية تجاوزت 6 دولارات للغالون.
تراجع صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط بنحو الثلثين مقارنة بعام 2025 بحسب تقديرات سوقية، نتيجة أضرار المصافي والهجمات على منشآت التكرير.
لذلك فإن سعر الديزل قد يظل مرتفعاً حتى إذا تراجع خام برنت، لأن المشكلة الأساسية هي نقص طاقة التكرير والمخزونات وليس نقص الخام فقط.
الاستنتاج: ارتفاع أسعار المشتقات لا يتحرك دائماً بنفس نسبة ارتفاع الخام؛ فالسعر النهائي يتأثر بالخام، وهوامش التكرير، وتوافر المنتجات، وتكاليف الشحن والتأمين، والمخزونات.
ثانياً: اتجاهات العرض والطلب
العرض العالمي
تقدر وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج النفط العالمي في 2026 قد ينخفض بنحو 5.7 ملايين برميل يومياً، أي قرابة 6%، نتيجة اضطرابات الشرق الأوسط والهجمات على البنية التحتية النفطية. كما هبط إنتاج السعودية في آب إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً وفق تقديرات الوكالة، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود.
كما خفضت الوكالة توقع إنتاج روسيا لعام 2026 إلى نحو 8.7 ملايين برميل يومياً، بعد تراجع إنتاجها في آب إلى 8.36 ملايين برميل يومياً بسبب أضرار المصافي والمنشآت النفطية.
الطلب العالمي
المفارقة الحالية أن ارتفاع الأسعار لم يؤدِّ إلى ارتفاع أكبر في السعر بسبب وجود تدمير واضح للطلب:
وكالة الطاقة الدولية تتوقع انخفاض الطلب العالمي في 2026 بنحو 2.5 مليون برميل يومياً.
بنك JPMorgan يقدر أن الطلب انخفض بنحو 4.4 ملايين برميل يومياً على أساس سنوي في ظل الحرب وارتفاع الأسعار.
في المقابل، لا تزال أوبك أكثر تفاؤلاً بشأن الطلب، ما يعكس اختلافاً جوهرياً بين تقديرات المنظمة وتقديرات وكالة الطاقة الدولية.
هذا يعني أن ارتفاع الأسعار بدأ يضغط على النقل والصناعة والاستهلاك، خصوصاً في آسيا والأسواق الحساسة للسعر.
ثالثاً: أوبك+
في 6 أيلول، قررت الدول السبع المعنية بالتعديلات الطوعية داخل أوبك+ الإبقاء على إنتاج أيلول لتطبيقه خلال تشرين الأول، مع التأكيد على الالتزام الكامل بالحصص ومواصلة الاجتماعات الشهرية. ويعقد الاجتماع المقبل في 4 تشرين الأول 2026.
دلالة القرار
قرار أوبك+ يعكس ثلاثة أهداف:
عدم ضخ كميات إضافية كبيرة قد تضغط على الأسعار في وقت يتراجع فيه الطلب.
الحفاظ على قدرة احتياطية لمواجهة أي تفاقم في اضطرابات الخليج.
تجنب تدمير الطلب العالمي عبر السماح بارتفاعات سعرية أكثر حدة.
وبالتالي، لا تبدو أوبك+ مستعدة حالياً لاستخدام كامل طاقتها الاحتياطية لإغراق السوق، ما يبقي هامش المخاطر مرتفعاً.
رابعاً: التطورات الجيوسياسية والممرات البحرية
مضيق هرمز
لا تزال حركة السفن عبر هرمز أقل بكثير من المعتاد:
عبرت المضيق يوم الخميس 4 سفن للسلع الأساسية فقط.
المتوسط خلال الأيام العشرة السابقة كان نحو 16 سفينة يومياً.
كان المضيق يمرر قبل الأزمة قرابة 20% من شحنات النفط والغاز العالمية.
هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة إغلاقاً قانونياً كاملاً، لكنه يعني عملياً أن جزءاً كبيراً من السوق يتعامل مع المضيق باعتباره ممرًا عالي الخطورة، ما يرفع:
- أجور الشحن.
- أقساط التأمين.
- زمن الرحلات.
- علاوة المخاطر السعرية.
- كلفة وصول النفط والغاز إلى المستهلك النهائي.
باب المندب والبحر الأحمر
لا تزال حركة المرور عبر باب المندب أقل قليلاً من المتوسط، مع استمرار المخاطر المرتبطة بالهجمات على السفن والردود العسكرية في المنطقة. ويزيد ذلك من أهمية إعادة توجيه الشحنات عبر طرق أطول، ويضاعف كلفة الإمداد إلى أوروبا وآسيا.
السعودية ومسارات التصدير
تحسن جزء من المخاوف بعد أن بدأت السعودية العمل على إعادة نحو نصف طاقة خط شرق–غرب، مع تحويل المزيد من الشحنات إلى آسيا عبر سلطنة عُمان. غير أن السوق لم يعتبر ذلك حلاً نهائياً، لأن استمرار التوترات والهجمات قد يعيد تعطيل الإمدادات بسرعة.
الضربة على ناقلة في هرمز
زاد القلق بعد تعرض ناقلة ترفع علم توغو لضربة إيرانية في مضيق هرمز، ما أكد أن مخاطر الملاحة ليست نظرية، وأن أي حادث جديد قد يرفع الأسعار سريعاً حتى دون فقدان كميات كبيرة من الإنتاج.
خامساً: الغاز الطبيعي المسال
سوق الغاز الطبيعي المسال أكثر تشدداً من سوق النفط حالياً.
ارتفعت أسعار شحنات الغاز الآسيوية إلى نحو 26 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
السعر ارتفع بنحو 150% منذ شباط/فبراير.
من المتوقع أن تبلغ واردات آسيا في أيلول نحو 20.09 مليون طن، وهو أدنى مستوى لشهر أيلول منذ ثماني سنوات.
انخفضت واردات الصين التقديرية إلى نحو 4.32 ملايين طن، بينما تراجعت واردات باكستان بنحو 75%.
في المقابل، تتجه أوروبا إلى زيادة وارداتها للاستعداد للشتاء، مع اعتماد متزايد على الغاز الأميركي.
وتشير التقديرات إلى أن صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال قد تظل متضررة حتى بداية 2027، مع تعطل نحو 12.8 مليون طن سنوياً من الطاقة التصديرية، ما يدفع قطر إلى البحث عن عقود طويلة الأجل من الولايات المتحدة لتعويض جزء من النقص.
الخطر الأوروبي
رغم أن السوق الأوروبية ما زالت أقل توتراً من أزمة 2022، فإن أسعار الغاز ارتفعت من نحو 30 إلى 80 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بينما تبلغ المخزونات نحو 70% فقط، وهي من أدنى المستويات المسجلة. وإذا جاء الشتاء بارداً وارتفع الطلب بنحو 30 مليار متر مكعب، فقد تقفز الأسعار إلى قرابة 200 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
سادساً: التوقعات للأسبوع المقبل
السيناريو المرجح
السيناريو الأساسي هو استمرار التذبذب ضمن مستويات مرتفعة:
برنت: تقريباً بين 101 و109 دولارات للبرميل.
غرب تكساس: بين 98 و106 دولارات.
الديزل: سيبقى أكثر تشدداً من البنزين.
الغاز المسال: يظل حساساً لأي خبر يتعلق بقطر أو هرمز أو الاستعدادات الأوروبية للشتاء.
عوامل قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع
1- تراجع إضافي في حركة الملاحة عبر هرمز.
2- إصابة ناقلات أو منشآت طاقة جديدة.
3 - تعطل أطول لخط شرق–غرب السعودي.
4- فشل أي مسار تفاوضي أميركي–إيراني.
5- ارتفاع الطلب الأوروبي على الغاز مع تباطؤ إعادة التخزين.
عوامل قد تدفع الأسعار إلى الانخفاض
1- عودة منتظمة للشحن عبر هرمز.
2- استعادة السعودية كامل قدرات النقل البديلة.
3- اتفاق تهدئة قابل للتنفيذ في المنطقة.
4- تسارع تراجع الطلب في الصين وآسيا.
5- تحسن مؤشرات المخزونات التجارية أو إطلاق كميات طوارئ إضافية.
سابعاً: الانعكاسات المحتملة على الأردن
أسعار البنزين والديزل والغاز
أبقت لجنة تسعير المشتقات النفطية أسعار أيلول عند:
1- بنزين أوكتان 90: 1.000 دينار/لتر
2- بنزين أوكتان 95: 1.310 دينار/لتر
3- الديزل: 0.850 دينار/لتر
4- الكاز: 0.550 دينار/لتر
5- أسطوانة الغاز المنزلي 12.5 كغم: 7 دنانير
6- دعم الغاز المسال للقطاع الصناعي: نحو 1.6 مليون دينار خلال أيلول.
وتقوم آلية التسعير الأردنية على متوسط الأسعار العالمية خلال الفترة السابقة للتسعير، لذلك لا تنتقل حركة الأسعار اليومية مباشرة إلى المضخة. لكن استمرار برنت فوق 100 دولار، وبقاء الديزل والغاز المسال عند مستويات مرتفعة، يزيد احتمال بقاء الضغط على تسعيرة الشهر المقبل إذا لم تُمتص الفروقات أو تتراجع المتوسطات العالمية.
فاتورة الطاقة
1- استمرار هذه المستويات يعني للأردن:
2- ارتفاع كلفة استيراد النفط والمنتجات.
3- زيادة فاتورة الشحن والتأمين بسبب اضطراب الممرات.
4 - الضغط على كلفة الكهرباء والنقل والصناعة والزراعة.
5- اتساع الفروقات بين الكلفة الفعلية والأسعار المحلية.
6- احتمال ارتفاع العبء على الخزينة إذا استمرت سياسة التثبيت أو التدرج في تمرير الزيادات.
وقد أشارت بيانات محلية إلى أن الخزينة تحملت فروقات تراكمية تقارب 224 مليون دينار حتى نهاية آب نتيجة امتصاص جزء من الارتفاعات العالمية.
أمن الإمدادات
الأردن لا يواجه حالياً مؤشراً على انقطاع فعلي في الوقود، لكن الخطر الأساسي هو ارتفاع تكلفة التأمين والنقل والوصول، لا نقص الكميات فقط. وتبقى أهمية العقبة، والمخزونات الاستراتيجية، وتنويع الموردين والمسارات، مرتفعة جداً في ظل انخفاض حركة السفن عبر هرمز واضطراب البحر الأحمر.
الاقتصاد الأردني
أكبر التأثيرات المحتملة ستكون في:
1- أجور النقل والخدمات اللوجستية.
2- كلفة الإنتاج الصناعي.
3 - أسعار الغذاء نتيجة ارتفاع الديزل والنقل.
4- كلفة الزراعة والري والتدفئة.
5- القوة الشرائية للأسر.
6- عجز الميزان التجاري.
الضغوط التضخمية، خصوصاً إذا طال أمد الأزمة.
لكن تثبيت الأسعار يخفف الصدمة قصيرة الأجل على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، مقابل نقل جزء من التكلفة إلى المالية العامة. ولذلك فإن استمرار الأسعار المرتفعة لأسابيع أو أشهر أخطر بكثير من ارتفاع مؤقت لبضعة أيام.
التقدير النهائي للأردن
حتى الآن، يشير الوضع إلى أن المشكل الأكبر على الأردن ليس انقطاع الإمدادات، بل ارتفاع كلفة تأمينها وتمويلها. وإذا بقي برنت فوق 100 دولار، واستمر نقص الديزل والغاز الطبيعي المسال، فستزداد الضغوط على فاتورة الطاقة والخزينة والقطاعات الإنتاجية. أما استقرار أسعار البنزين والديزل محلياً، فسيتوقف على ثلاثة عوامل رئيسية:
1- متوسط أسعار المشتقات العالمية خلال فترة التسعير.
2- كلفة الشحن والتأمين والمسارات البديلة.
3- مقدار الفروقات التي ستواصل الحكومة امتصاصها أو تمريرها إلى السوق.
الخلاصة العملية للأسبوع المقبل:
تراجع محدود في النفط ممكن، لكن العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة غير مرجحة ما لم يحدث تحسن أمني واضح في هرمز والبحر الأحمر، بينما يظل الديزل والغاز مصدر القلق الأكبر على الاقتصاد الأردني
الملخص التحليلي الأسبوعي لأسواق النفط والغاز حتى الجمعة 18 أيلول 2026
11:24 20-9-2026
آخر تعديل :
الأحد