أجمع خبراء اقتصاديون على أن مشاركة جلالة الملك عبدالله الثاني في اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك تحمل، إلى جانب أبعادها السياسية والدبلوماسية، بعداً اقتصادياً مهماً، خصوصاً أن الأسبوع رفيع المستوى يجمع قادة الدول وصناع القرار في وقت واحد.
ولفتوا في أحاديث لـ«الرأي» إلى أن الأردن يمتلك رصيداً دولياً مهماً بناه جلالة الملك عبر سنوات من العلاقات والشراكات، وأن القيمة الاقتصادية لهذا الرصيد تتضاعف عندما يتحول اللقاء السياسي إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والعلاقة الدولية إلى سوق جديدة للصادرات الأردنية. فالمطلوب بعد نيويورك هو متابعة الفرص التي تفتحها اللقاءات الملكية، لأن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية يقاس في النهاية بما تضيفه من استثمارات وصادرات ووظائف ودخل للاقتصاد والمواطن.
يبدأ جلالة الملك عبدالله الثاني زيارة عمل إلى نيويورك، يشارك خلالها في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81، ويلقي خطاباً في الجلسة الافتتاحية، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد.
ويرافق جلالة الملك خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة في مدينة نيويورك جلالة الملكة رانيا العبدالله.
كما يعقد جلالته، على هامش الاجتماعات، لقاءات مع قادة دول ورؤساء وفود مشاركين.
وقال رئيس غرفة صناعة الزرقاء السابق، المهندس فارس حموده، إن جلالة الملك يحرص دائماً على المشاركة في الفعاليات الدولية كاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مما يعزز حضور المملكة ويسلط الضوء على مواقف ووجهة نظر المملكة تجاه القضايا الدولية والتنمية المستدامة.
ولفت حموده إلى أن جلالة الملك يستثمر دائماً هذه المناسبات لعقد لقاءات ثنائية مع أبرز قادة الدول والوفود المشاركة، لمناقشة القضايا السياسية والدولية ومحاولة التأثير على الاتجاهات الدولية تجاه القضايا العربية المصيرية، كالقضية الفلسطينية وأهمية إيجاد حل عادل لها لضمان أمن واستقرار المنطقة، والتي تعتبر محور الصراع فيها.
وأضاف أن اجتماعات الدورة القادمة للجمعية العامة للأمم المتحدة تتضمن مناقشة العديد من القضايا، أهمها حق التنمية للشعوب وغيرها من الموضوعات المطروحة على أجندة الاجتماعات المقررة، حيث تشكل هذه الاجتماعات فرصة إضافية لبحث الملفات الاقتصادية وتعزيز المساعدات والمنح الموجهة نحو تحقيق أهداف التنمية، سواء من خلال مؤسسات الأمم المتحدة أو من الدول المانحة نفسها.
كما بيّن حموده أن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ81 تأتي في ظل الصراع الدائر في المنطقة وما نتج عنه من مشكلات جيوسياسية أثرت على حركة الملاحة ورفعت من كلف الشحن، مما أدى إلى اختلالات في سلاسل التوريد على مستوى المنطقة والعالم.
أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان أن مشاركة جلالة الملك عبدالله الثاني، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، في اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تحمل، إلى جانب أبعادها السياسية والدبلوماسية، بعداً اقتصادياً مهماً، خصوصاً أن الأسبوع رفيع المستوى يجمع قادة الدول وصناع القرار في وقت واحد، بما يجعل اللقاءات الثنائية منصة لتعزيز شراكات الأردن ومصالحه الاقتصادية. وتبدأ المناقشة العامة للدورة في 22 أيلول وتستمر حتى 28 منه.
وأوضح السرحان أن قوة الأردن الاقتصادية لا تقاس بحجم سوقه المحلي فقط، وإنما أيضاً بقدرته على تحويل رصيده السياسي وعلاقاته الدولية إلى رصيد اقتصادي. فالاستقرار والعلاقات المتوازنة وحضور الأردن الدولي عناصر تؤثر في نظرة المستثمر إلى المملكة، ويمكن البناء عليها لجذب رأس المال وفتح أسواق جديدة للصادرات واستقطاب التكنولوجيا والتمويل للمشاريع الكبرى.
وأشار إلى أن هذا البعد يكتسب أهمية أكبر مع تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية؛ إذ نما الاقتصاد الحقيقي بنسبة 2.93% في الربع الأول من 2026، فيما تجاوزت الاحتياطيات الأجنبية 28.3 مليار دولار في آب، وهي مؤشرات تدعم الاستقرار الاقتصادي والنقدي وتوفر أرضية أفضل عند التحدث مع المستثمرين والشركاء الدوليين.
وأضاف السرحان أن الصادرات تمثل مجالاً يمكن للدبلوماسية الاقتصادية أن تحقق فيه نتائج مباشرة، فقد ارتفعت الصادرات الوطنية خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 6.2% إلى 4.67 مليار دينار، فيما ارتفعت الصادرات الكلية بنسبة 14.5% إلى 6.41 مليار دينار، وانخفض العجز التجاري بنسبة 5.5%. والمطلوب هو البناء على هذا الاتجاه من خلال استخدام العلاقات الدولية لفتح أسواق إضافية أمام الصناعة والخدمات الأردنية وربط الشركات الوطنية بشركاء وموزعين عالميين.
وبيّن أن لقاءات جلالة الملك على هامش الجمعية العامة يمكن النظر إليها أيضاً باعتبارها فرصة لربط الدبلوماسية السياسية بالدبلوماسية الاستثمارية. فبعد كل لقاء مع دولة أو شريك اقتصادي مهم، يمكن تحديد عدد محدود من الملفات الاقتصادية القابلة للمتابعة: شركة مستهدفة للاستثمار في الأردن، أو سوق جديدة لمنتج أردني، أو تمويل لمشروع استراتيجي، أو شراكة في التكنولوجيا والطاقة والمياه والنقل.
وأكد السرحان أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مفهوم «الترويج للأردن» إلى تقديم فرصة اقتصادية محددة لكل شريك؛ فالدولة التي تمتلك خبرة في التكنولوجيا يمكن استهداف شركاتها، والدولة الصناعية يمكن ربطها بمشاريع التصنيع وسلاسل التوريد، والمؤسسات المالية يمكن توجيهها نحو المشاريع الكبرى. وبهذا تصبح العلاقات الدولية مدخلاً لمشاريع قابلة للقياس، وليس مجرد إطار عام للتعاون.
ولفت إلى أن حضور سمو ولي العهد لهذه الاجتماعات يعزز كذلك استمرارية هذا المسار، خصوصاً مع التركيز المتزايد على التكنولوجيا وريادة الأعمال والشباب والقطاعات المستقبلية، وهي ملفات تستطيع أن تفتح للأردن شراكات تتجاوز التمويل التقليدي إلى المعرفة والابتكار والاقتصاد الرقمي.
واختتم السرحان بالقول: «الأردن يمتلك رصيداً دولياً مهماً بناه جلالة الملك عبر سنوات من العلاقات والشراكات، والقيمة الاقتصادية لهذا الرصيد تتضاعف عندما يتحول اللقاء السياسي إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والعلاقة الدولية إلى سوق جديدة للصادرات الأردنية. المطلوب بعد نيويورك هو متابعة الفرص التي تفتحها اللقاءات الملكية، لأن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية يقاس في النهاية بما تضيفه من استثمارات وصادرات ووظائف ودخل للاقتصاد والمواطن».
وقال ممثل قطاع الألبسة والمحيكات في غرفة صناعة الأردن السابق، المهندس إيهاب قادري، إن مشاركة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة واللقاءات التي يعقدها في نيويورك يمكن قراءتها من زاوية اقتصادية تتجاوز الفصل التقليدي بين السياسة والاقتصاد؛ ففي عالم أصبحت فيه المخاطر الجيوسياسية عنصراً مباشراً في قرارات الاستثمار والتجارة وسلاسل الإمداد وتدفقات رأس المال، تتحول قدرة الدولة على بناء علاقات دولية واسعة والحفاظ على الاستقرار والمصداقية السياسية إلى أصل اقتصادي حقيقي.
وأضاف أنه بالنسبة للأردن، الذي يعمل في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، فإن الحضور السياسي والدبلوماسي على هذا المستوى يسهم في حماية المصالح الاقتصادية للمملكة، وتعزيز الثقة باستقرارها، والمحافظة على شبكة الشراكات الدولية التي يحتاجها اقتصاد منفتح يعتمد على التجارة والاستثمار والتعاون الدولي. وهذه العلاقة بين الاستقرار والاقتصاد أكدها جلالة الملك أيضاً في لقاءات اقتصادية سابقة، عندما أشار إلى أن استقرار المملكة يمثل عاملاً مهماً في جذب الاستثمار.
وأشار قادري إلى أن التحدي الاقتصادي الأهم هو تحويل هذا الرصيد السياسي والدبلوماسي إلى عائد اقتصادي قابل للقياس؛ أي إلى استثمارات وشراكات وأسواق جديدة وتمويل للمشاريع الاستراتيجية، وربط الأردن بصورة أعمق بسلاسل القيمة والتجارة العالمية.
وأضاف أن هذا يكتسب أهمية خاصة مع دخول تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي مرحلة تتطلب استثمارات محلية وأجنبية أكثر تركيزاً على المشاريع ذات الأولوية والتصدير والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهي أولوية أكد عليها جلالة الملك مؤخراً عند متابعته تنفيذ الرؤية. ومن هنا، فإن المطلوب بعد كل جولة أو لقاء دولي هو وجود مسار اقتصادي مؤسسي يتابع الفرص ويحول العلاقات إلى مشاريع؛ لأن قوة الأردن ليست في حجم سوقه فقط، بل في قدرته على تحويل استقراره وموقعه وعلاقاته الدولية إلى ميزة تنافسية اقتصادية. وفي المرحلة المقبلة، يجب أن يصبح رأس المال السياسي الذي بناه الأردن عبر عقود رافعة أكبر لرأس المال الاستثماري والنمو وفرص العمل.