العواودة : ربط البرامج باحتياجات الأقسام يُعزّز قيمتها المهنية
دعا أخصائي التروية القلبية عمار العواودة إلى تطوير برامج التعليم الطبي المستمر في الأردن بما ينقلها من التركيز على توثيق المشاركة والساعات التدريبية إلى قياس ما يكتسبه العاملون الصحيون من معرفة ومهارات ومدى انعكاسها فعليا على الأداء وجودة الرعاية المقدمة للمرضى.
وبين في تصريح لـ «الرأي» أن المرحلة المقبلة من التطوير المهني تتطلب تكامل التعليم مع تقييم الأداء، بحيث تساعد مراجعة الممارسة داخل المستشفيات والأقسام على تحديد الاحتياجات التدريبية، فيما تستخدم نتائج المتابعة لاحقا لتطوير البرامج وتوجيهها نحو المجالات التي تحتاج إلى تحسين. وأوضح العواودة أن توثيق المشاركة يمثل جانبا من تنظيم التعليم المستمر، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال المتعلق بأثر التدريب، مشيرا إلى أن التقييم الحقيقي يبدأ بعد انتهاء النشاط التعليمي، هل اكتسب المشارك المهارة المستهدفة؟ وهل استطاع تطبيقها في بيئة العمل؟ وما العوامل التي ساعدت على ذلك أو على إعاقته؟
وأشار إلى أن أبحاثا حديثة تناولت الفجوة بين ما يتعلمه العامل الصحي وما يطبق فعليا في الممارسة، لافتا إلى مراجعة علمية منشورة عام 2024 شملت 13 مقالا، خلصت إلى أن تطبيق التعلم لم يكن محورا أساسيا في غالبية الدراسات المشمولة.
ورصدت المراجعة ضيق الوقت ونقص الموارد البشرية بين العوائق التي تحد من التطبيق، فيما برزت طبيعة التدريب ومحتواه وفرص التعلم المشترك ضمن العوامل المساعدة.
واعتبر العواودة أن هذه النتائج تدعم إدراج متابعة الممارسة ضمن تصميم البرامج منذ البداية، بحيث تكون للمحتوى التعليمي غاية مهنية واضحة، وتحدد الوسائل اللازمة لتحقيقها داخل بيئة العمل.
وعن تطوير التعليم الطبي المستمر في الأردن، دعا العواودة إلى بناء مسارات تعليمية تراعي طبيعة كل وظيفة ومستوى الخبرة والمسؤولية السريرية، بحيث ترتبط البرامج بالاحتياجات الفعلية للعاملين والأقسام الصحية.
ولفت إلى أن القيمة العملية لهذا التوجه تظهر عند تحديد ممارسة بعينها تحتاج إلى تحسين، مثل الممارسة الطبية المبنية على الدليل العلمي في الأقسام المتخصصة، أو التوثيق الطبي، أو برامج إدارة الإصابات الجماعية، إذ يمكن عندها اختيار المحتوى وطريقة التدريب وأداة التقييم بما يتناسب مع الهدف، ثم مراجعة النتائج لتحديد الخطوة التالية.
واقترح العواودة أن تشمل المسارات التدريبية الممارسة الطبية المبنية على الدليل، وتحليل البيانات السريرية، وفيزيولوجيا الحالات الحرجة، والحركية الدوائية السريرية، وترشيد استخدام المضادات الحيوية، إلى جانب برامج التوعية بزراعة الأعضاء، والفيزياء الطبية التطبيقية، وعلوم القياس والمراقبة وسلامة التقنيات والأجهزة للمهن الصحية المساندة، كل بحسب اختصاصه. كما يمكن وفق العواودة أن تتكامل هذه المسارات مع تعليم مشترك في الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتوثيق والمسؤولية القانونية، على أن تحدد الأولويات وفق احتياجات الأقسام وحدود الممارسة المهنية.
ودعا أيضا إلى تنويع وسائل التعليم بين المحاضرات التخصصية، ومناقشة الحالات المرضية المتكررة والأبحاث، والتدريب العملي والمحاكاة ومشروعات تحسين الجودة، بحيث يتناسب شكل النشاط مع المهارة أو الكفاية المطلوب تطويرها.
ونوه إلى أن الأدلة المتعلقة بتدقيق الممارسة والتغذية الراجعة توفر أساسا لقياس أثر التدريب على الأداء.
وشدد العواودة على ضرورة التمييز بين اكتساب المعرفة وإتقان المهارة وتغيير الممارسة وتحسن النتائج الصحية للمرضى، موضحا أن لكل مستوى أدوات قياس مختلفة، وأن النجاح في أحدها لا يعني تلقائيا تحقق المستويات الأخرى.
وأكد أن تقييم الأداء بصورة عادلة يجب ألا يقتصر على الممارس الصحي، بل يشمل أيضا البرنامج التدريبي وبيئة العمل، من حيث توافر الموارد والإجراءات والإشراف والوقت اللازم لتطبيق ما تم تعلمه.
واعتبر أن ظهور فجوة بين التدريب والتطبيق لا يعني بالضرورة وجود قصور لدى الممارس، إذ قد ترتبط المشكلة ببيئة العمل أو الموارد المتاحة، ما يستدعي تحديد العوائق ومعالجتها ضمن عملية التقييم. وطالب بالبدء ببرامج تجريبية داخل أقسام مختارة في المؤسسات الصحية الأردنية، بالتنسيق بين وحدات التعليم والجودة وممثلي المهن الطبية، تتضمن قياسا أوليا لفجوة محددة، وتدريبا موجها لمعالجتها، ثم تقييما للمهارات أو الممارسة بعد التطبيق. أما ربط البرامج مباشرة بنتائج المرضى، فأوضح أنه يتطلب متابعة كافية ومراعاة اختلاف شدة الحالات والعوامل المصاحبة، حتى لا تنسب النتائج إلى التدريب وحده. وربط العواودة تطوير التعليم المستمر بملف تخطيط القوى العاملة الصحية في الأردن، موضحا أن ربط البرامج بتقييم الكفايات وعبء العمل واحتياجات الأقسام قد يساعد في تقدير الأعداد المطلوبة من كل تخصص لتحقيق رعاية آمنة وفعالة.
وأضاف أن تقييم المهارات المثبتة والأداء التطبيقي يمكن أن يوفر أساسًا لوضع نقاط مفاضلة أكثر شفافية في التوظيف والتطور المهني، بدل الاقتصار على المؤهلات أو المشاركة في الأنشطة التدريبية.
وشدد على أن هذا التوجه قد يساعد في مواءمة التأهيل مع فرص العمل والحد من البطالة، شريطة تكافؤ فرص التدريب واقترانه بتخطيط للقوى العاملة وتوفير وظائف ممولة تستجيب للاحتياجات الفعلية للقطاع.
وأكد العواودة أن بناء هذا التكامل من شأنه منح التعليم الطبي المستمر دورا أوسع في تطوير القطاع الصحي الأردني، بحيث تصبح بيانات الأداء مصدرا لتحديد ما ينبغي تعلمه، فيما تصبح نتائج التعلم أساسا لمراجعة ما يحتاج إلى تحسين.