كتاب

الدينار والفائدة: هل ندفع أكثر مما يلزم؟

منذ أن ثبّت الأردن سعر صرف الدينار مقابل الدولار عام 1995، أصبحت العلاقة بين أسعار الفائدة الأردنية والأمريكية واحدة من أهم محددات السياسة النقدية. فعندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، يواجه البنك المركزي الأردني سؤالًا صعبًا: هل يرفع الفائدة بالمقدار نفسه للمحافظة على جاذبية الدينار، أم أن لديه مساحة (حرية) للتحرك وفق ظروف الاقتصاد الأردني؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه أعمق من ذلك بكثير. فالسؤال الصحيح ليس: هل يجب أن نتبع الفيدرالي أم لا؟ ولا حتى: هل سعر الفائدة في الأردن مرتفع أم منخفض؟ وإنما: ما أقل فرق في سعر الفائدة بين الدينار والدولار يكفي للمحافظة على استقرار الدينار، من دون أن يحمّل الاقتصاد الأردني تكلفة تمويل أعلى مما يحتاج؟
فربط الدينار بالدولار لا يعني بالضرورة أن تتحرك الفائدة الأردنية نقطة بنقطة مع الفائدة الأمريكية. والدليل على ذلك موجود في تجربتنا الأردنية. فقد وجدت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي حول السياسة النقدية في الأردن أن استجابة سعر الفائدة الأردني لتحركات الفائدة الأمريكية كانت أقل من واحد-إلى-واحد، أي أنها لم تتبع تحركات الفدرالي الأمريكي ارتفاعا وهبوطا تماما. ووجدت الدراسة أيضًا أن البنك المركزي كان يستجيب لعوامل محلية، أهمها التضخم وفجوة الناتج (الفرق بين مستوى النشاط الاقتصادي الفعلي ومستواه الممكن). وهذا يعني أن الأردن، رغم تثبيت سعر الصرف، يمتلك قدرًا من المساحة النقدية، وإن كانت هذه المساحة محدودة وغير ثابتة.
تساعدنا هذه النتيجة في فهم نقطة مهمة كثيرًا ما تغيب عن النقاش حول أسعار الفائدة، وهي أن فرق الفائدة المطلوب لحماية الدينار ليس رقمًا ثابتًا. فعندما يكون الاقتصاد في وضع جيد، ومعدلات النمو الاقتصادي جيدة، والاحتياطيات الأجنبية قوية، والثقة بالدينار مرتفعة، والدولرة منخفضة، والتدفقات من السياحة والحوالات والاستثمار جيدة، لا يحتاج الدينار بالضرورة إلى إضافة فائدة كبيرة فوق الدولار. في مثل هذه الظروف، لا تكون الفائدة وحدها هي التي تجعل الناس والشركات يحتفظون بالدينار، فالثقة والاستقرار والنمو وتوفر الاحتياطيات والتدفقات الخارجية كلها تعمل إلى جانب سعر الفائدة.
أما عندما يكون النمو ضعيفًا، وتتراجع التدفقات الخارجية، أو تنخفض الاحتياطيات، أو ترتفع المخاطر وعدم اليقين، فإن المسألة تتغير. عندها يصبح فرق الفائدة أكثر أهمية؛ لأن الاحتفاظ بالدولار قد يصبح أكثر جاذبية، ويحتاج الدينار إلى علاوة أكبر لتعويض المخاطر والمحافظة على الطلب عليه.
العلاقة التي ينبغي أن ننظر إليها ليست: اذا ارتفعت الفائدة الأمريكية يجب أن ترتفع الفائدة الأردنية بالمقدار نفسه، بل، كلما كانت أساسيات الاقتصاد الأردني أقوى، أمكن المحافظة على استقرار الدينار بفرق فائدة أصغر بين الدينار والدولار. وكلما ضعفت هذه الأساسيات، ازدادت الحاجة إلى علاوة فائدة أكبر. وهنا يجب التنبيه إلى أن النمو ليس العامل الوحيد. فقد يحقق الاقتصاد نموًا جيدًا بينما تتراجع الاحتياطيات أو تتدهور التدفقات الخارجية أو ترتفع الدولرة. ولذلك يجب قراءة النمو مع مجموعة من المؤشرات، وليس منفردًا.
والتاريخ الأردني يقدم تجربة مهمة. خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة، لكنه لم يخفضها بالسرعة نفسها التي خفّض بها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي فائدته. ونتيجة لذلك اتسع فرق الفائدة لمصلحة الدينار. وقد أشار صندوق النقد في ذلك الوقت إلى أن هذا الفرق عزز جاذبية الأصول المقوّمة بالدينار وساهم في استمرار تراكم الاحتياطيات.
ثم قام البنك المركزي بتخفيض أسعار الفائدة تدريجيًا مع تحسن الظروف، من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الثقة بالدينار. بل إن الودائع تعافت، واستمرت حصة الودائع المقومة بالدينار في الارتفاع.
وهذه تجربة مهمة لأنها تقول لنا شيئًا أكثر دقة من القول إن 'الفائدة المرتفعة تحمي الدينار'. فالفائدة الإضافية تفيد عندما تكون مطلوبة لحماية جاذبية الدينار في الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتقدم فائدة إضافية محدودة جدا، قد لا نكون بحاجة لها، عندما تكون الاحتياطيات قوية والثقة مرتفعة والاقتصاد قادرًا على المحافظة على الطلب على الدينار بعلاوة أصغر.
ومن هنا يمكن أن نعرّف مفهومًا أكثر فائدة للسياسة النقدية الأردني، وهو' فرق الفائدة المبرّر'. وهو الفرق بين الفائدة الأردنية والأمريكية الذي تبرره في كل فترة حالة الاحتياطيات، والنمو، والدولرة، والتضخم، والسيولة، والحساب الخارجي، والتدفقات من السياحة والحوالات والاستثمار، ومستوى المخاطر، ثم نقارن هذا الفرق المبرر بفرق الفائدة الفعلي. فإذا كان الفرق الفعلي قريبًا من الفرق المبرر، تكون السياسة النقدية قد حققت التوازن المطلوب بين حماية الدينار وعدم تحميل الاقتصاد تكلفة غير ضرورية.
أما إذا كان الفرق الفعلي أعلى بكثير من الفرق الذي تبرره الظروف الاقتصادية، ولمدة طويلة، فإن الفرق بينهما يصبح ما يمكن تسميته 'علاوة الفائدة الزائدة'. وهي علاوة ليست بلا تكلفة، فارتفاع الفائدة ينتقل، بدرجات مختلفة، إلى تكلفة اقتراض الشركات والأسر، ويرفع تكلفة رأس المال العامل والاستثمار والتمويل العقاري، ويمكن أن يبطئ نمو الائتمان. كما أنه يرفع تكلفة إعادة تمويل الدين العام ويؤثر في قرارات المستثمرين. وبالتالي، قد نصل إلى وضع ندفع فيه تكلفة اقتصادية إضافية مقابل حماية نقدية إضافية محدودة وباهتة.
الهدف ليس الحصول على أقل فائدة ممكنة، وإنما الوصول إلى أقل فائدة كافية. فالفائدة المثلى للأردن ليست أدنى فائدة يستطيع البنك المركزي إعلانها، وإنما أدنى فائدة تستطيع المحافظة على الثقة بالدينار وسعر الصرف والاحتياطيات، من دون فرض علاوة تمويل غير ضرورية على الاقتصاد.
وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية في الظروف الحالية. فالأردن يمتلك اليوم مصدات خارجية أقوى مما كانت عليه في مراحل عديدة سابقة. فقد بلغت الاحتياطيات الأجنبية الإجمالية نحو 28.4 مليار دولار في أغسطس 2026، وفق بيانات البنك المركزي. وكان صندوق النقد قد قدّر الاحتياطيات القابلة للاستخدام في نهاية 2025 بما يعادل 132% من مقياس كفاية الاحتياطيات لديه، مع بقاء الدولرة منخفضة والثقة بنظام سعر الصرف قوية. كما بلغ النمو الحقيقي 2.93% في الربع الأول من 2026.
هذه المؤشرات لا تعني تلقائيًا أن أسعار الفائدة يجب أن تنخفض. لكنها تعني أن السؤال أصبح مشروعًا: هل يحتاج الدينار في ظل هذه المصدات إلى فرق الفائدة نفسه الذي كان يحتاجه عندما كانت الاحتياطيات أضعف والمخاطر أعلى؟ الإجابة يمكن تقديرها اقتصاديًا للوصول إلى ما يمكن تسميته 'الحد الأدنى المتغير لفرق الفائدة'. لأننا لا نبحث عن رقم واحد يصلح للأردن في جميع السنوات والظروف. بل نبحث عن فرق الفائدة المطلوب.