يدخل الأردن مرحلة جديدة من الترويج الاقتصادي المباشر وهو يحزم أوراقه لاستقبال مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي في البحر الميت منتصف تشرين الثاني المقبل، حاملا محفظة فرص استثمارية ضخمة تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار (نحو 13 مليار يورو)، فما أهميه هذه الأرقام وهذه الفرص ؟.
اللافت في هذه المحفظة وهذه الفرص ليس حجمها المالي فحسب، بل طبيعة المشاريع التي تقف خلفها، إذ أنها تتوزع على 15 قطاعا حيويا تتصدرها الطاقة والتعدين بنحو 7.1 مليار دولار، يليها النقل والسكك الحديدية بـ 3.56 مليار دولار، والخدمات اللوجستية بـ 1.61 مليار، والسياحة بـ 1.08 مليار، إلى جانب مشاريع المياه والصناعة والاقتصاد الدائري والتكنولوجيا النظيفة.
وهنا تحديدا تتضح معالم الاستراتيجية الاقتصادية الأردنية بعيدا عن لغة الأرقام الجامدة، فالأردن لا يقدم للأوروبيين مجرد فرص عقارية أو سياحية تقليدية، بل يفتح أمامهم أبواب الاستثمار في قطاعات تشكل مستقبل الاقتصاد الحديث كالهيدروجين الأخضر والتصنيع والمركبات الكهربائية، مرسلا رسالة صريحة عنوانها أن الأردن يقدم فرصة للاستثمار في اقتصاد يتحول نحو الإنتاج والتصدير، وليس في أسواق استهلاكية.
تتزامن هذه الخطوة مع محطة فارقة تشهد تحول العلاقة بين الأردن والاتحاد الأوروبي من أطر التعاون التقليدية إلى شراكة استراتيجية شاملة تفتح الآفاق أمام التكنولوجيا والخبرات الأوروبية، لاسيما مع حزمة الدعم المعلنة بقيمة 3 مليارات يورو للأعوام 2025–2027، وهي حزمة تمويلية منفصلة تماما عن محفظة الـ 15 مليار دولار المعروضة.
يقف خلف هذا الزخم جهد ملكي متواصل يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي جعل من الملف الاقتصادي أولوية حافلة بالحضور في عواصم القرار ومحافل الأعمال الدولية، وكان آخرها ملتقى الأعمال الأردني–البريطاني في لندن والتواصل المباشر مع قيادات الشركات العالمية لترسيخ مكانة المملكة كبوابة للأسواق الإقليمية.
إن القيمة الحقيقية لهذه الفرص لن تقاس بحجم المحفظة المعروضة في البحر الميت، فالأردن لا يبحث عن سيولة مجردة بل عن استثمار حقيقي يبني المصانع، وينقل التكنولوجيا، ويوفر فرص العمل للشباب، ويربط مؤسساتنا بسلاسل التوريد العالمية.
ورغم المكتسبات المسجلة كارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 25.1 بالمئة ليصل إلى نحو 2.025 مليار دولار، فإن الرهان يظل معقودا على مرحلة ما بعد المؤتمر ومدى تحول الاتفاقيات إلى إغلاقات مالية ومشاريع قائمة على الأرض.
خلاصة القول، الجهد الملكي والدبلوماسي قد نجح في فتح الأبواب واجتذاب الاهتمام الدولي والاوروبي، وهنا فإن المسؤولية التنفيذية اليوم تقع على عاتق تحويل هذا الحضور إلى نتائج ملموسة، فالمعادلة تقول إن 15 مليار دولار ستبقى فرصا على الورق، وتحويلها من قبل الحكومة والقطاع الخاص إلى مصانع وبنية تحتية ومشاريع إنتاجية، فهو القصة الاقتصادية الحقيقية، هذا ما ينتظره المواطن في توفير فرص العمل وتحسين الدخل.