في الدول التي تعيش على خطوط الزلازل الإقليمية، تكون ولاية العهد موقع عملٍ ومسؤوليةٍ يومية، لا صفةً بروتوكولية. وقد جاء ترؤّس سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وليّ العهد، نائب الملك، جانباً من جلسة مجلس الوزراء ليؤكد هذا المعنى لا ليعلنه. فالمهم لم يكن صورة الجلسة بل ما دار فيها؛ وجدول الأعمال وحده كان بياناً: تبعات التصعيد الإقليمي على الاقتصاد الوطني، وسلاسل التوريد والمخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، ومشاريع سكة حديد العقبة والشحن، والنهوض بقطاع السياحة، ومركز الصحة الرقمية والطبابة عن بُعد، وتطبيق «سند»، وإدارة البيانات الحكومية استعداداً للذكاء الاصطناعي. أمنٌ وسياسةٌ واقتصادٌ على طاولة واحدة، بتسلسلٍ يكشف كيف تُقرأ الدولة اليوم: منظومةً واحدة، لا ملفاتٍ منفصلة.
ويمارس سموّه هذا الدور من موقعٍ رسمه الدستور الأردني بدقة، فلا التباس في المرجعية ولا ازدواج في القرار. غير أن النص الدستوري يمنح الموقع ولا يمنح الأثر؛ الأثر يصنعه شاغل الموقع، والناس وحدهم يمنحون الثقة. وهي ثقة تُكتسب بما يُرى: انضباطٌ مهني في إدارة النقاش، وحزمٌ في ترتيب الأولويات، وكاريزما ينفرد بها سموّه في حضوره وطريقة مخاطبته للناس، وجديّةٌ تُقدّم العمل العام على الراحة الشخصية حتى صار جدوله المزدحم جزءاً من صورته لدى الأردنيين.
ولهذا يلاقي سموّه قبولاً عند الشعب لشخصه أولاً، وامتداداً للقبول الذي ورثه عن جلالة الملك عبدالله الثاني المعزّز، حفظه الله، وعن جلالة الراحل الكبير الحسين بن طلال الباني، رحمه الله. وهذا القبول رصيدٌ لا يُشترى؛ يُورَث نواةً ثم يُصان بالعمل، ويمنح صاحبه ما لا يمنحه أي نص: قدرةً على أن يُسمَع.
ولم يأتِ هذا الأداء من فراغ. فالمدة التي قضاها سموّه وليّاً للعهد كانت في جوهرها مدرسةً عملية: قربٌ مباشر من ملفات ثقيلة، محليةٍ وإقليمية ودولية، وحضورٌ شهد كيف تُصاغ القرارات لا كيف تُعلَن. ومن هذا القرب يُفهم ما لا تقوله التقارير: كيف تُدار الدولة فعلاً، وأين تكمن تحدياتها، وكيف تعمل البيئة الاستراتيجية بمستوياتها الثلاثة، وكيف تُقرأ معطياتها فتتحول إلى خيارات سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية. والخبرة هنا ليست رصيداً يُذكر في السيرة، بل أداةً تُستعمل كل يوم؛ معرفةٌ لا تُختصر ولا تُستعار.
ثم إن قربه من جلالة الملك، بحكم موقعه، أوجد إدارة مشتركة ومساندة، وفتح أمامه باب المتابعة وتصويب المسارات. ويُخطئ من يظن أن التصويب مسألة صلاحيات: فالصلاحية تتيح لك أن توقف عملاً، أما الخبرة فهي وحدها التي تخبرك أيّ عملٍ يستحق أن يُوقف، ومتى، وبأي كلفة إن تأخّرت. وأن تسأل السؤال الصحيح أصعب–وأنفع–من أن تملك سلطة السؤال. وبين الأمرين مسافة لا تُعبَر إلا بالممارسة.
ومن بعض الأدوات التي يملكها سموّه مواكبتُه للتحول التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، وقربُه من نبض جيلٍ يقيس الدولة بجودة خدمتها لا بحجم خطابها. ولهذا فإن الحديث عن مركز الصحة الرقمية، أو عمّا حققه تطبيق «سند»، أو عن تنظيم بيانات الحكومة، ليس حديثاً تقنياً؛ إنه حديث عن شكل العلاقة اليومية بين المواطن ودولته في السنوات المقبلة. ومن يملك هذا الفهم يعرف ماذا يُنجَز، وكيف، ولماذا الآن لا بعد سنوات.
ولا يجري هذا كله في فراغ. فيبدو أن الدولة الأردنية، وكعادتها حين تستنفر عناصر قوتها كلها، وضعت ما جمعته من معطيات الحاضر إلى جانب قراءةٍ متصلة للمستقبل بمدياته القريب والمتوسط والبعيد، وتبنّت استراتيجية شدّ القوس. فالقوس حين يُشدّ يعود طرفه إلى الخلف، إلى قاعدة البيانات والملفات المطلوب إنجازها؛ ومن هناك، من الرصيد المتراكم، تُستمدّ قوة الاندفاع. ثم ينطلق السهم إلى الأمام نحو أهدافٍ محددة مطلوبٍ تنفيذها بدقة. وبين المحطتين–قاعدة البيانات والملفات من جهة، والأهداف من جهة أخرى–يدخل عقل الدولة بخبراته، وبالسرعة التي تناسب كل مرحلة، ليحدد الأساليب والوسائل التي تُحقَّق بها تلك الأهداف.
وهذه من الاستراتيجيات التحوّلية: تبني على ما أُنجز في عمر الدولة ولا تلغيه، ولا تلجأ إليها إلا الدول التي تملك رصيداً قوياً من البيانات والنجاحات يؤهّلها لدخول مراحل جديدة بما فيها من فرصٍ ومستجدات وتحديات.
وهو فكرٌ يفرضه الموقع. فالجغرافيا في محيط مضطرب لا تسمح بترف التخصص الضيق: ما يبدأ توتراً سياسياً ينتهي رقماً في فاتورة الشحن، ثم سعراً على الرف، ثم سؤالاً في بيت أردني. فالأمن والسياسة والاقتصاد ليست حقولاً متجاورة ولا ثلاثة ملفات، بل ثلاث قراءات لملف واحد؛ ولهذا صارت سلاسل التوريد والمخزون الاستراتيجي شأناً وطنياً لا ملفاً قطاعياً، ومخرجات هذه المنظومة كلها تصل إلى المواطن، وبها تُقاس.
ويبقى أن المواطن يسأل، وله الحق: أين الأثر الملموس لهذه الاجتماعات في يومه؟ والجواب يبدأ من إدراك أن حركة الدولة متّزنة، تخطّط استراتيجياً لا استعراضياً، ولمدى طويل وبناءٍ متكامل؛ ومثل هذا البناء تظهر ثماره ببطء، لأن ما يُنجَز بسرعة يُستهلك بالسرعة ذاتها. وهذا ليس عيباً في الأداء بل طبيعةً في البناء، فالمعيار هو الاستدامة لا اللمعان.
غير أن هذا المعنى لا يصل وحده، ولا يتشكّل لدى الناس تلقائياً. فالتحرك الجاد يحتاج أن يرافقه إعلامٌ متخصص يخاطب فئات المواطنين جميعها بلغتها، ويشرح ما أُنجز وما لم يُنجَز بعدُ ولماذا، ويجيب عن التساؤلات بدل تركها تتشكّل في مساحات أخرى. فالمسافة بين الإنجاز والإحساس به مسافة تواصل قبل أن تكون مسافة أداء، وإن لم تملأها المعلومة الدقيقة ملأها الانطباع.
ويظل الأساس في هذا كله قدرة القيادة، ممثلةً بجلالة الملك عبدالله الثاني، على إدارةٍ حكيمة عبرت بالأردن منعطفات قاسية، وحفظت استقراره، وحققت نمواً في إقليم يبلغ تعقيده أحياناً حدّ الاستعصاء. وضمن هذا المسار يُقرأ حضور سمو ولي العهد على رأس جلسة لمجلس الوزراء: لا حدثاً منفرداً، بل حلقةً في استمرارية مؤسسية تُبنى فيها الخبرة قبل أن تُطلب، وتُختبر فيها الجاهزية قبل أن تدعو الحاجة إليها. وهذه، في دولةٍ كالأردن، ليست تفصيلاً؛ إنها جوهر الطمأنينة.