كتاب

ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية

من لندن، أعتقد أن قراءة الجولة الملكية الأخيرة لا يجب أن تتوقف عند حدود الزيارات واللقاءات الرسمية، فالمشهد الذي بدأ من باريس يحمل في تفاصيله أكثر من رسالة، وأكثر من مسار، ويستحق أن يُقرأ في سياقه الإقليمي والدولي الأوسع.
باريس لم تكن مجرد محطة افتتاحية للجولة الملكية، بل شهدت تحركات ولقاءات مهمة، في مقدمتها لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ولقاء جلالته بالرئيس اللبناني جوزاف عون، ثم اللقاء الذي جمع القادة الثلاثة، والذي تناول دعم لبنان وتعزيز أمنه واستقراره وسيادته، ودعم الجيش اللبناني وتمكين الدولة اللبنانية من القيام بدورها.
وهنا تبرز أهمية الدور الأردني، فاستقرار لبنان ليس ملفاً بعيداً عن الأردن، كما أن أمن المنطقة لا يمكن تجزئته إلى ملفات منفصلة. ومن هذا المنطلق تأتي مشاركة الأردن في 'عملية العقبة' الهادفة إلى دعم قدرات الجيش اللبناني وتعزيز قدرة الدولة على بسط سيادتها وحماية أمنها.
ولم تكن سوريا بعيدة عن هذا المشهد، فالتحركات والاتصالات الأردنية تؤكد أن أمن سوريا واستقرارها ووحدة أراضيها جزء أساسي من الحسابات الأردنية، خصوصاً أن ما يحدث في الجنوب السوري ينعكس بصورة مباشرة على أمن الأردن واستقراره.
وفي باريس أيضاً، جاءت اتفاقية التعاون الدفاعي الأردنية الفرنسية لتضيف بعداً مهماً للجولة، بما تحمله من تعزيز للتعاون الدفاعي والأمني وتطوير للقدرات الدفاعية الأردنية، في وقت تمر فيه المنطقة بمرحلة استثنائية تتطلب من الأردن أن يحافظ على أمنه الوطني، وأن يوسع في الوقت نفسه شبكة شراكاته الاستراتيجية.
وفي موازاة ذلك، جاءت تحركات وزير الخارجية الأردني واتصالاته مع نظيره السوري لتؤكد أن الدبلوماسية الأردنية تتحرك على أكثر من مسار، وأن عمان تتابع الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية المرتبطة بسوريا ولبنان والمنطقة من منظور يرتبط أولاً بأمن الأردن واستقراره.
ومن وجهة نظري، فإن الصورة الأوسع لما يجري هي أن الأردن يتحرك في ملفات تمس صميم أمن المنطقة، من لبنان وسوريا إلى القضية الفلسطينية والقدس، مستفيداً من علاقاته المتوازنة مع العواصم المؤثرة ومن موقعه ودوره الإقليمي.
ومن باريس إلى براغ ثم الولايات المتحدة ونيويورك، تبدو الجولة الملكية وكأنها حلقات مترابطة في تحرك دبلوماسي أوسع، لكل محطة فيه خصوصيتها ورسائلها، قبل الوصول إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث سيكون الصوت الأردني حاضراً في واحدة من أهم المنصات السياسية في العالم.
ولا يمكن النظر إلى هذه الجولة باعتبارها مجرد برنامج من اللقاءات والزيارات، فالسياسة لا تُقاس فقط بما يقال في المؤتمرات والبيانات، وإنما أيضاً بتوقيت اللقاءات، وتسلسلها، والملفات التي تجتمع حولها العواصم.
وما جرى في باريس، بما حمله من لقاءات حول لبنان وسوريا، ومن تعاون دفاعي مع فرنسا، ومن اتصالات سياسية متزامنة، يعكس حجم الحراك الأردني في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، ويؤكد أن عمان تواصل حضورها في الملفات التي تمس أمنها الوطني وأمن المنطقة.
ومن لندن بعيون أردنية، أرى أن باريس قد تكون بداية مشهد أكبر، وأن أهمية الجولة ستتضح أكثر مع انتقالها إلى محطتها الثانية في براغ، ثم إلى نيويورك، حيث تتسع مساحة الرسائل الأردنية من الإطار الإقليمي إلى المنبر الدولي.
- كاتب ومحلل سياسي
رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا