محليات

الأمراض المزمنة تختبر توسع البنية الصحية في الأردن

تضع النظام الصحي أمام اختبار متزايد

يقف المشهد الصحي في الأردن خلال عام 2026 أمام مفارقة لافتة ففي الوقت الذي تتوسع فيه البنية التحتية الصحية وتتسارع رقمنة الخدمات وتطلق برامج وطنية جديدة تتصاعد في المقابل أعباء الأمراض المزمنة والسمنة والتدخين إلى جانب تحديات القوى البشرية الطبية بما يضع قدرة النظام الصحي على الاستجابة والاستدامة أمام اختبار متزايد.
أستاذ ومستشار العلاج الدوائي السريري وعضو اللجنة الوطنية لليقظة الدوائية الدكتور ضرار بلعاوي أكد في تصريح إلى «الرأي»، أن قراءة المؤشرات الصحية الحالية تكشف أن التحدي لم يعد مرتبطا فقط بتوفير المستشفيات والأسرة والخدمات، بل بقدرة النظام على الحد من المرض قبل وقوعه، ومواجهة عوامل الخطر التي باتت تستنزف الصحة والموارد معا.
وتشير أحدث المعطيات إلى أن الأمراض غير السارية مسؤولة عن نحو 78% من مجموع الوفيات في المملكة، تتصدرها أمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 29%، يليها السرطان بنسبة 26%، ثم السكري بنسبة 5% والأمراض التنفسية المزمنة بنسبة 2%.
في حين يزداد هذا العبء أهمية مع وقوع نسبة كبيرة من الوفيات قبل سن السبعين، في ظل انتشار عوامل خطر يمكن الوقاية من جانب مهم منها، وفي مقدمتها قلة النشاط البدني وسوء التغذية وارتفاع ضغط الدم وسكر الدم.
ومن أكثر المؤشرات إثارة للقلق ما أظهرته دراسة حديثة نشرت في اذار 2026 حول انتشار متلازمة الأيض بين البالغين الأردنيين وفق بلعاوي، إذ بلغ المعدل العمري الموحد للانتشار 47.7% وفق معايير الاتحاد الدولي للسكري، و44.6% وفق معايير ATP III.
وبين أن النتائج تكشف اتجاها تصاعديا مقارنة بالمعدلات الوطنية السابقة، فيما برزت السمنة المركزية وانخفاض الكوليسترول الجيد بين أكثر مكونات المتلازمة شيوعا، مع ارتفاع الخطر لدى الإناث والفئة العمرية بين 36 و50 عاما، ومن يعانون من الخمول البدني والسمنة.
واعتبر بلعاوي أن هذه الأرقام تتداخل مع انتشار السمنة والوزن الزائد، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 39% من البالغين الأردنيين يعانون من السمنة، فيما تصل نسبة من يعانون من السمنة و/أو الوزن الزائد إلى قرابة 60%.
وبحسب التقرير العالمي للتغذية 2024، تصل السمنة بين النساء البالغات إلى نحو 46%، مقابل نحو 32% بين الرجال.
ورأى أن التعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها مجرد أرقام يفوّت حجم المشكلة، لأن السمنة ترتبط بزيادة مخاطر السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب وبعض أنواع السرطان، مما يحولها إلى عبء صحي واقتصادي طويل الأمد.
وشدد على أن التدخين يبرز كأحد أكثر عوامل الخطر إلحاحا، مع ارتفاع استهلاك منتجات التبغ، وبدء نسبة كبيرة من المدخنين هذه العادة في أعمار مبكرة.
وتشير البيانات إلى أن 83% من المدخنين المنتظمين بدأوا التدخين قبل سن الرابعة والعشرين، و38% قبل سن الثامنة عشرة، فيما يبلغ متوسط الإنفاق على السجائر نحو 78 دينارا شهريا لكل مدخن.
ولا تتوقف الكلفة عند الأسرة، إذ تشير التقديرات إلى أن علاج السرطانات المرتبطة بالتدخين يستنزف ما لا يقل عن 350 مليون دينار سنويا من مخصصات الرعاية الصحية، مع توقعات بارتفاع الكلفة إلى أكثر من نصف مليار دينار بحلول عام 2030.
وفي مقابل هذه المؤشرات، شهد الأردن خطوة جديدة بإطلاق أول خطة وطنية لمكافحة السرطان للفترة 2026-2030، بما يوفر إطارا للوقاية والكشف المبكر والعلاج والرعاية التلطيفية، كما سبق ذلك توسيع مظلة العلاج ضمن برنامج «رعاية»، لتشمل قرابة 4.1 مليون مواطن للعلاج في مركز الحسين للسرطان.
وأشار بلعاوي إلى أن أهمية الخطة لا تلغي التحديات التي تواجه مكافحة السرطان، وفي مقدمتها الحد من التدخين، وزيادة الوصول إلى برامج الكشف المبكر، وتأهيل المزيد من الكفاءات المتخصصة.
وتظهر السجلات تسجيل 10,755 إصابة جديدة بالسرطان في الأردن خلال عام 2022، مما يعكس حجم العبء الذي تتطلب مواجهته الانتقال من التركيز على العلاج وحده إلى الوقاية والكشف المبكر.
وعلى مستوى قدرة النظام الصحي، بين بلعاوي أن البنية التحتية الحكومية شهدت توسعا ملحوظا، إذ أضافت وزارة الصحة 577 سريرا خلال العامين الماضيين، بما رفع السعة السريرية الإجمالية بنحو 10%، إلى جانب إنشاء 14 مركزا صحيا جديدا، وإعادة تأهيل 49 مركزا وحوسبة 153 منشأة صحية.
كما أُعيد تأهيل مركز عمان الميداني بطاقة تشمل 70 سرير طوارئ و44 سرير عناية مشددة و40 محطة غسيل كلوي، في خطوة تستهدف تخفيف الضغط عن المستشفيات الحكومية.
وفي موازاة التوسع الميداني، أوضح أن نسبة التحول الرقمي في تقديم الخدمات الصحية ارتفعت إلى 79% حتى حزيران 2026، مقارنة بـ66% في أيلول 2025 و37% في كانون الأول 2023، فيما تجاوز عدد المستفيدين من الخدمات الصحية الرقمية مليون مستفيد.
ولفت بلعاوي إلى أن مركز الصحة الرقمية الأردني يقدم خدمات عن بعد في مجالات تشمل غسيل الكلى والأشعة والعناية المشددة والاستشارات الطبية عبر الاتصال المرئي والصوتي، بما يسهم في تقليل التنقل وأوقات الانتظار، وإيصال بعض التخصصات إلى المحافظات والمناطق البعيدة.