الغرايبة: الأسرة والمجتمع شريكان في مواجهة العنف
لم يعد العنف في البيئة المدرسية يقتصر على مشاجرات بين الطلبة، إذ تكشف وقائع متتالية عن صور مختلفة من الاعتداء قد يكون الطالب طرفا فيها أو ضحية لها، فيما لم يعد المعلم بمنأى عن هذه الظاهرة، سواء داخل الصف أو في محيط المدرسة، بما يضع سلامة أطراف العملية التعليمية أمام اختبار متواصل.
وفي هذا السياق، تتواصل التحقيقات في حادثتين منفصلتين إحداهما تتعلق بإصابة طالب خلال مشاجرة داخل الصف، فيما تتصل الأخرى بشكوى تقدم بها معلم على خلفية واقعة اعتداء، وسط مباشرة الأجهزة الأمنية إجراءات التحقيق للوقوف على ملابسات كل حادثة، بعد تقديم شكاوى رسمية وتقارير طبية من الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق يؤكد التربوي قيصر الغرايبة أن المدرسة يفترض أن تكون بيئة آمنة تمارس فيها العملية التعليمية والتربوية ضمن إطار من القيم والضوابط القانونية، إلا أن ظهور السلوكيات العنيفة داخلها، سواء استهدفت الطالب أو المعلم أو الإداري، يشكل مؤشرا على وجود خلل في البيئة التربوية يحتاج إلى معالجة تتجاوز التعامل مع الحوادث بعد وقوعها.
ويقول الغرايبة في حديث لـ الرأي إن العنف المدرسي لم يعد يأخذ شكلا واحدا أو يتجه من طرف إلى آخر، بل أصبح ظاهرة متعددة الاتجاهات، قد يكون فيها الطالب معتدياً أو ضحية، كما قد يتعرض المعلم أو الإداري للاستفزاز أو الإهانة أو التهديد أو الاعتداء، الأمر الذي يجعل حماية جميع أطراف العملية التعليمية مسؤولية متكاملة.
ويرى أن تجاهل هذه السلوكيات أو الاكتفاء بمعالجة كل حادثة بصورة منفردة من شأنه أن يزيد من خطورتها، لافتا إلى أن العنف يبدأ أحيانا بسلوكيات تبدو بسيطة، كالإهانة والتهديد، قبل أن تتطور إلى اعتداء جسدي، وقد تصل في بعض الحالات إلى مستويات أكثر خطورة.
ويعزو الغرايبة جانبا من تفاقم الظاهرة إلى أزمة قيمية لا تقتصر على المدرسة وحدها، وإنما تمتد إلى المجتمع والأسرة ومختلف المؤسسات المؤثرة في سلوك الطلبة، إلى جانب ما تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي من سرعة في تصوير حوادث العنف ونشرها، وتحويل بعض مظاهر السلوك العدواني إلى محتوى واسع الانتشار.
ويشير إلى أن العنف المدرسي ليس ظاهرة مستحدثة، لكنه أصبح أكثر وضوحا وانتشارا في الوعي العام بفعل وسائل الإعلام ومنصات التواصل، التي جعلت توثيق الحوادث ونشرها أمرا سهلا، مؤكدا في الوقت ذاته أن التعامل مع الظاهرة يتطلب فهما لأسبابها الاجتماعية والتربوية والنفسية، وليس فقط ضبط نتائجها.
ويشدد على ضرورة بناء منظومة متكاملة لحماية البيئة المدرسية، تبدأ بتوفير إطار قانوني وتشريعي واضح يحمي المعلم والطالب والإداري، إلى جانب تعزيز التربية القيمية داخل المدارس وترسيخ مفاهيم الاحترام والحوار وقبول الآخر وضبط السلوك. كما يدعو وزارة التربية والتعليم إلى الانتقال من الحلول المؤقتة إلى خطط طويلة المدى تستند إلى دراسات وبحوث دقيقة حول أسباب العنف وأشكاله واتجاهاته، بما يساعد على وضع برامج وقائية وعلاجية أكثر فاعلية، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الحوادث بعد وقوعها.
ويؤكد الغرايبة أن الحد من العنف المدرسي لا يمكن أن يكون مسؤولية المدرسة وحدها، وإنما يحتاج إلى شراكة بين الوزارة والأسرة والمجتمع، ضمن مقاربة تربوية وقيمية متكاملة، هدفها إعادة المدرسة إلى دورها الأساسي بوصفها مساحة آمنة للتعلم وبناء الشخصية، وحماية جميع من فيها من أي شكل من أشكال العنف.