عربي ودولي

الاحتلال يخرق «هدنة غزة» ويرسخ ضم الضفة

185 بؤرة استيطانية وتهجير 118 تجمعاً

«المزارع الاستيطانية» أداة لتعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية
يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي خروقاته اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مستهدفاً المدنيين والنازحين ومناطق متفرقة من القطاع، بالتزامن مع تصعيد واسع في الضفة الغربية المحتلة، يشمل الاقتحامات والاعتقالات وهجمات المستوطنين والاستيلاء على الأراضي، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من استمرار سياسة التهجير القسري وتكريس الضم الفعلي للضفة الغربية.
استشهد فلسطيني وأصيب 13 آخرون، بينهم أطفال، جراء هجمات إسرائيلية على مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، فيما استشهد فلسطيني آخر متأثراً بجروح أصيب بها في قصف إسرائيلي سابق.
وأفادت مصادر طبية في مستشفى ناصر بخانيونس بأن جثمان شهيد و12 مصاباً، بينهم أطفال، وصلوا إلى المستشفى إثر غارة نفذتها طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت تجمعاً للمدنيين في «مخيم الصمود» للنازحين بمنطقة المواصي غرب خانيونس.
وفي وقت سابق، أصيب فلسطيني بجروح خطيرة إثر إطلاق دبابة إسرائيلية النار باتجاه منطقة أرض الليمون في المواصي، في وقت واصل فيه جيش الاحتلال تنفيذ عمليات قصف وإطلاق نار في مناطق متفرقة من القطاع، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وشملت الخروقات السبت، قصفاً مدفعياً مكثفاً للمناطق الشرقية من مخيم جباليا وحي التفاح شرق مدينة غزة والمناطق الشمالية لمخيم البريج، فيما أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية نيران رشاشاتها الثقيلة باتجاه المناطق البحرية شمال غرب مدينة غزة، بالتزامن مع قصف مدفعي طال مناطق غرب رفح وشرق مدينة غزة.
وفي بيت لاهيا شمال القطاع، أصيبت سيدة حامل برصاص قوات الاحتلال في محيط دوار السلاطين، فيما أصيب فلسطينيان جراء قصف إسرائيلي قرب سجن أبو عبيدة.
وبحسب مصادر صحافية في غزة، ارتفعت حصيلة المصابين جراء استهداف مسيّرة إسرائيلية تجمعاً للمدنيين قرب خيام النازحين في مواصي خانيونس إلى تسعة فلسطينيين، فيما تفاوتت إصاباتهم بين المتوسطة والخطيرة.
وفي الضفة الغربية، أصيب مسن وطفل فلسطينيان برضوض وكسور، السبت، خلال اقتحامات نفذتها قوات الاحتلال في مناطق متفرقة، تخللها اعتقال ثمانية فلسطينيين.
وقال الهلال الأحمر الفلسطيني إن مسناً يبلغ 68 عاماً أصيب برضوض في الظهر والصدر، فيما أصيب طفل يبلغ 14 عاماً بكسر في اليد اليمنى، خلال اقتحام قوات الاحتلال قرية مركة جنوب جنين، ونُقل المصابان إلى مركز طوارئ محلي في بلدة عرابة القريبة لتلقي العلاج.
وأضاف الهلال الأحمر أن قوات الاحتلال اعتقلت ستة فلسطينيين خلال اقتحامها عدداً من البلدات في محافظة جنين، ومداهمتها منازل بينها منازل أسرى محررين.
وامتدت الاقتحامات إلى مخيمي الأمعري وقدورة ومدينة البيرة في محافظة رام الله والبيرة، ومخيم قلنديا وبلدة كفر عقب شمال القدس، إلى جانب بلدات تقوع والعبيدية ودار صلاح والشواورة وزعترة في محافظة بيت لحم.
وفي سياق اعتداءات المستوطنين، أفادت مصادر أمنية بأن مستوطنين هاجموا أطراف بلدة برقا شرق رام الله، ورشقوا منازل الفلسطينيين ومركباتهم بالحجارة، ما أدى إلى إلحاق أضرار بمركبة فلسطينية.
وقال نادي الأسير الفلسطيني إن قوات الاحتلال اعتقلت خلال الأسبوع الأخير أكثر من 100 فلسطيني، فيما ارتفع عدد المعتقلين من الضفة الغربية منذ تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 25 ألف فلسطيني، إلى جانب آلاف المعتقلين من قطاع غزة.
وفي مؤشر آخر على تصاعد الاعتداءات على الأراضي الزراعية، سجلت الضفة الغربية 536 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون بحق الأراضي الزراعية الفلسطينية منذ مطلع العام وحتى نهاية آب الماضي، وفق مركز معلومات فلسطين «معطى».
وبحسب المركز، وقع 64 اعتداءً خلال الشهر الماضي وحده، بمعدل يقارب عمليتين ونصف العملية يومياً، فيما بلغ متوسط الاعتداءات خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام نحو 67 اعتداءً شهرياً.
وشملت الاعتداءات إتلاف المحاصيل الموسمية وتجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار وتدمير المزروعات، في وقت تتسع فيه رقعة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية لصالح المستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية.
وأكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في تقرير لها، أن أعمال العنف التي ينفذها المستوطنون تصاعدت خلال آذار ونيسان 2026 في الضفة الغربية، مشيرة إلى أن السلطات الإسرائيلية «تسلّح المستوطنين العنيفين المسؤولين عن هذه الانتهاكات الدموية المتصاعدة وتمولهم وتحميهم».
وقالت سارة صنبر، الباحثة في قسم إسرائيل وفلسطين بالمنظمة، إن الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين يتشاركون هدف «الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أصغر عدد ممكن من الفلسطينيين»، مضيفة أن السلطات الإسرائيلية لا تكتفي بعدم وقف عنف المستوطنين، وإنما تمكّنه، من خلال توفير الأسلحة والغطاء القانوني والميزانية.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، بلغ متوسط هجمات المستوطنين في الضفة الغربية خلال عام 2026 نحو 6.6 هجمات يومياً، وأسفرت عن سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار بالممتلكات أو كليهما، وهو أعلى معدل يسجله المكتب.
وفي السياق ذاته، وثّق مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة «بتسيلم» تهجير 65 مجتمعاً فلسطينياً وعائلات منفردة في الضفة الغربية حتى 8 تموز 2026، واصفاً هذه الممارسات بأنها تأتي في إطار «التطهير العرقي».
وأكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، على لسان أجيث سونغاي، رئيس المكتب في الأرض الفلسطينية المحتلة، وجود «إفلات تام من العقاب لجميع أطراف النزاع عن الانتهاكات المرتكبة»، مشيراً إلى أن إسرائيل لم تتخذ، بحسب ما هو معلوم لدى المكتب، أي خطوات لمحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات.
وتكشف بيانات إسرائيلية عن اتساع نطاق السيطرة على الأراضي الفلسطينية من خلال ما تسمى «المزارع الاستيطانية»، التي باتت تمتد على مساحة تزيد على 1.1 مليون دونم في المناطق المصنفة «ج»، أي نحو ثلث مساحة هذه المناطق البالغة قرابة 3.5 مليون دونم، وفق تقرير لـ«جمعية المزارع» الاستيطانية.
كما تستولي المستوطنات على نحو 200 ألف دونم إضافية من الأراضي في المناطق «ج»، التي تضم حالياً قرابة 130 مزرعة استيطانية، بينها نحو 40 مزرعة أقيمت خلال العامين الأخيرين.
وتتركز هذه المزارع بصورة خاصة في شرق الضفة الغربية، ولا سيما في منطقة الأغوار، وكذلك جنوب جبل الخليل، فيما تسعى «جمعية المزارع» إلى توسيع نطاق الاستيلاء على الأراضي بهدف السيطرة على مليون دونم إضافية.
وتتعامل أوساط اليمين الإسرائيلي مع المزارع الاستيطانية باعتبارها أداة لتعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما يعكس خطابها أهدافاً توسعية تتجاوز إقامة المستوطنات التقليدية إلى فرض واقع جغرافي جديد على الأرض.
وفي هذا الإطار، أفاد تقرير صادر عن حركتي «سلام الآن» و«كرم نابوت» الإسرائيليتين المناهضتين للاحتلال والاستيطان بأن حكومة بنيامين نتنياهو تسرّع تنفيذ مخطط لضم الضفة الغربية بصورة فعلية، مشيراً إلى أن الحكومة أقامت خلال السنوات الثلاث 2023–2025 نحو 185 بؤرة استيطانية عشوائية، فيما جرى تهجير سكان 118 تجمعاً فلسطينياً.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى اتساع مسارين متوازيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة: خروقات عسكرية متواصلة في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار، وتصعيد استيطاني وعمليات تهجير واستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما يعزز مخاوف من تكريس واقع الضم الفعلي وتغيير الخريطة الديموغرافية والجغرافية للأراضي الفلسطينية.