أبو الخير: ترند الثمانينيات احتجاج نفسي ناعم على إيقاع الحياة الحديثة
شاهين: نحن أمام ظاهرة يمكن تسميتها «هندسة العدوى الرقمية»
ما إن تتصفح منصات التواصل الاجتماعي حتى تتوالى أمامك صور لأشخاص يستعيدون «الثمانينيات» بطريقتهم الخاصة؛ صور حديثة بملامح تلك الحقبة، من قصات الشعر والملابس الفاقعة الألوان، إلى العبارات والأغاني التي تعيد إلى الذاكرة زمنا مضى. وفي المقابل، يشارك آخرون صورا حقيقية التقطوها في ذلك العقد، مرفقين بها كلمات من القلب وذكريات لا تزال حاضرة.
هذا التفاعل الواسع مع حقبة مضى عليها أكثر من أربعة عقود يطرح تساؤلا أبعد من مجرد انتشار ترند جديد: لماذا الثمانينيات تحديدا؟ وهل نحن أمام حنين إلى الماضي، أم بحث عن شيء نفتقده في حاضرنا؟ وفي ظل قدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل الصور والذكريات، هل أسهمت هذه التقنيات في إحياء الحنين، أم أنها أصبحت جزءا من صناعة الترند نفسه وتوجيه انتباه الجمهور؟
من جانبها، ترى الأستاذة المشاركة في علم النفس الإكلينيكي في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، الدكتورة فداء أبو الخير، أن السؤال في ترند الثمانينيات ربما لا ينبغي أن يكون «لماذا نشتاق إلى الثمانينيات؟»، وإنما: «ما الذي ينقص حاضرنا حتى أصبحنا نجمل الماضي بهذا الشكل؟».
وتوضح أبو الخير في تصريح لـ الرأي أن الذاكرة في علم النفس «ليست تسجيلا محايدا للأحداث»، إذ يعيد الإنسان بناء الماضي، وقد يحتفظ بالمشاعر والصور الإيجابية أكثر من التفاصيل المزعجة، وهي ظاهرة ترتبط بما يعرف بـ«الاسترجاع الوردي»، أي الميل إلى رؤية الماضي أكثر إشراقا مما كان عليه فعلا.
لكن اللافت في ترند الثمانينيات، بحسب أبو الخير، أن بعض المنجذبين إليه لم يعيشوا تلك الحقبة أصلا، ما يطرح تساؤلا أعمق: إلى ماذا يحنون؟
وتقول إننا قد نكون هنا أمام ما يسمى أحيانا «الحنين إلى زمن لم نعشه»، حيث يصنع الإنسان في خياله معنى نفسيا لمرحلة لم يختبرها شخصيا، بدلا من استعادة ذكرى حقيقية منها.
وتضيف: «فنحن لا نشتاق بالضرورة إلى الكاسيت، والصور المشوشة، والملابس القديمة، وإنما ربما نشتاق إلى ما ترمز إليه هذه الأشياء في أذهاننا: حياة أبطأ، وانتباه أقل تشتتا، وعلاقات أقل استعراضا، وخصوصية أكبر، وعالم لم يكن الإنسان فيه مطالبا بأن يكون حاضرا ومتاحا ومقارنا نفسه بالآخرين طوال اليوم».
وترى أبو الخير أن النوستالجيا قد تكون نوعا من تنظيم المشاعر، لأنها تمنح الإنسان شعورا بالاستمرارية والدفء والمعنى عندما يبدو الحاضر سريعا أو غير مستقر. إلا أن النوستالجيا قد تتحول، بحسبها، إلى شكل من أشكال التجنب النفسي عندما لا نكتفي بالاستمتاع بالماضي، وإنما نبدأ باستخدامه لإدانة الحاضر باستمرار، من خلال عبارات مثل «زمان الناس كانت أصدق»، و«زمان الحياة كانت أبسط»، و«زمان كنا أسعد».
وتلفت إلى أن الماضي نفسه كان مليئا بالخوف والفقد والضغوط والمشكلات، لكن الإنسان لا يستعيده كاملا، وإنما يستعيد «النسخة التي يستطيع عقله احتمالها».
وبناء على ذلك، ترى أبو الخير أن ترند الثمانينيات قد يكون، ولو جزئيا، «احتجاجا نفسيا ناعما على إيقاع الحياة الحديثة».
من الجانب الآخر، يرى رئيس جائزة الذكاء الاصطناعي العالمية، الدكتور رامي شاهين، أن تفسير صعود ترندات الماضي، ومنها ترند «الثمانينيات»، باعتباره مجرد تفضيل من الخوارزميات للمحتوى القصير، يغفل تحولا أعمق يحدث في صناعة المحتوى وانتشاره.
ويقول شاهين في تصريح لـ $ إننا أمام ظاهرة جديدة يمكن تسميتها «هندسة العدوى الرقمية»، موضحا أن الذكاء الاصطناعي لم يجعل إنتاج المحتوى أسرع فحسب، وإنما أتاح القدرة على «تصنيع احتمالية الانتشار» أيضا.
ويشرح: «تخيل أنني أريد إطلاق ترند، بدلا من أن أصنع فيديو واحدا وأنتظر حظي، أستطيع باستخدام الذكاء الاصطناعي أن أصنع خلال ساعات 500 نسخة من الفكرة نفسها؛ بوجه مختلف، وأول ثانيتين مختلفتين، وموسيقى مختلفة، وجملة مختلفة، ومستويات متفاوتة من الاستفزاز، وحتى لهجات مختلفة».
ويكمل: «ثم أنشر مجموعة صغيرة منها، وأراقب أي نسخة تحقق أعلى معدلات للاحتفاظ بالمشاهد، وإعادة المشاهدة، والمشاركة، وسرعة التعليقات. بعد ذلك، أقتل 490 نسخة وأضاعف إنتاج النسخ العشر التي نجحت».
ويشير شاهين إلى أن الجمهور نفسه أصبح جزءا من عملية تطوير المحتوى واختياره، قائلا: «نحن نستخدم الجمهور كبيئة لاختيار المحتوى، كل نسخة هي طفرة، والمنصة هي بيئة الانتقاء، والتفاعل هو معيار النجاح، والنسخة الفائزة تتكاثر».
وبحسب شاهين، أصبح الترند بذلك قريبا من مفهوم «الانتخاب الطبيعي»، ولكن بسرعة الآلة، وفق مسار يبدأ من الفكرة، ثم توليد نسخ متعددة بالذكاء الاصطناعي، واختبارها على نطاق محدود، ثم اختيار الخوارزمية للنسخ الأكثر نجاحا، وإعادة إنتاجها وتطويرها، وصولا إلى هيمنة النسخة الأكثر قابلية للانتشار.
ويضيف أنه لا يقتصر الأمر على الشكل، إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي استهداف الدوافع النفسية وراء المشاركة؛ فالأشخاص، بحسب شاهين، «لا يشاركون الشيء لأنه جميل فقط، وإنما ما يجعلهم بحاجة إلى أن يقولوا للآخرين: شاهدوا هذا».
ويعتبر شاهين أن هذه العبارة القصيرة تمثل جوهر الانتشار الفيروسي، مشيرا إلى أن المحتوى القابل للانتشار غالبا ما يتضمن محفزا أو أكثر، مثل مفاجأة تكسر التوقع، أو فجوة معلومات تجعل الدماغ راغبا في معرفة النهاية، أو عنصرا يمس الهوية، أو خلافا يدفع إلى التعليق، أو قالبا بسيطا يمكن للآخرين تقليده وإعادة إنتاجه.
ويحذر من تحول قادم مع ما يسميه «الترندات المستقلة»، حيث يمكن لوكيل ذكاء اصطناعي أن يراقب ما يحدث، ويكتشف الاتجاهات الصغيرة، ويولد أفكارا متعددة، ويختبرها، ثم يعدل المحتوى ويعيد نشر النسخ الأكثر نجاحا.
ويخلص إلى أن الميزة التنافسية مستقبلا لن تكون في إنتاج أفضل فيديو فحسب، وإنما في القدرة على إجراء أكبر عدد من التجارب على انتباه الجمهور والتعلم منها قبل الآخرين.
ويقول: «بعض ترندات عصر الذكاء الاصطناعي تبدو وكأنها ظهرت فجأة ومن كل مكان في الوقت نفسه؛ لأن ما تراه ليس بالضرورة فكرة واحدة أصبحت واسعة الانتشار، قد تكون أمام فكرة تعلمت كيف تصبح واسعة الانتشار».
وبين الحنين الذي تراه أبو الخير بحثا عن مشاعر نفتقدها في الحاضر، والانتشار الذي يربطه شاهين بقدرة الذكاء الاصطناعي على اختبار المحتوى وتطويره، يبدو أن ترند الثمانينيات يقف عند تقاطع الإنسان والتقنية؛ فنحن لا نعيد الماضي كما كان، بل نعيد تخيله بالطريقة التي نحتاج إليها اليوم، فيما تتولى الخوارزميات تحويل هذا الحنين الفردي إلى ظاهرة جماعية عابرة للمنصات.