عربي ودولي

الاحتلال يتحدى عقوبات الغرب بمخططات استيطانية جديدة

التخطيط لإقامة 3 مستوطنات في الضفة الغربية

إسرائيل تفتح مواجهة دبلوماسية مع بريطانيا
صعّدت حكومة الاحتلال الإسرائيلي تحركاتها الاستيطانية والدبلوماسية في الضفة الغربية المحتلة، في تحدٍ واضح للعقوبات والضغوط الغربية المتزايدة، إذ لم تمضِ سوى ساعات على إعلان 12 دولة غربية فرض قيود على تجارة منتجات المستوطنات والمطالبة بوقف التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، حتى بدأت سلطات الاحتلال بحث مخططات لإقامة ثلاث مستوطنات جديدة تضم 747 وحدة استيطانية، بالتزامن مع اتخاذ إسرائيل إجراءات دبلوماسية عقابية ضد بريطانيا، شملت إغلاق قنصليتها في القدس المحتلة وإنهاء اعتماد عدد من دبلوماسييها.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع فجوة الخلاف بين إسرائيل وعدد من حلفائها الغربيين، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية لسياسة الاستيطان في الضفة الغربية، وسط مؤشرات على استياء أميركي من بعض خطوات حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ولا سيما ما يتعلق بالمشروع الاستيطاني في منطقة E1، الذي تعتبره إدارات أميركية متعاقبة تهديداً مباشراً لإمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
وقاد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر حزمة الإجراءات ضد بريطانيا، إذ أبلغت القنصلية البريطانية في القدس المحتلة بوجوب إغلاقها خلال 30 يوماً، مع فقدان الدبلوماسيين العاملين فيها اعتمادهم الدبلوماسي.
كما مُنح الممثلون البريطانيون المشاركون في بعثة التنسيق الأميركية الخاصة بغزة، إلى جانب الدبلوماسيين البريطانيين المقيمين في رام الله، مهلة سبعة أيام لمغادرة إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وشملت الإجراءات الإسرائيلية كذلك منع 12 نائباً برلمانياً بريطانياً وشخصيات أخرى، بينهم الزعيم السابق لحزب العمال البريطاني جيريمي كوربين، من دخول إسرائيل، فضلاً عن إنهاء البعثة العسكرية البريطانية المكلفة بتدريب قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية.
وفي المقابل، أقر وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند بأن بلاده كانت تدرك أن الرد الإسرائيلي سيكون حاداً، لكنه شدد على أن الحكومة البريطانية وازنت بين كلفة التحرك وفوائده، وخلصت إلى أنه لا يمكنها الوقوف مكتوفة الأيدي خشية رد الفعل الإسرائيلي.
ووصف قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس بأنه مؤسف، لكنه لم يكن مفاجئاً.
وكان ميليباند أعلن أمام مجلس العموم البريطاني حزمة عقوبات وقيود اعتُبرت من بين الأشد التي تتخذها لندن بحق المستوطنات الإسرائيلية، تضمنت حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتوسيع العقوبات لتشمل أفراداً وكيانات توفر خدمات البنية التحتية والتمويل والعقارات اللازمة لتوسيع المستوطنات، إلى جانب رفض تراخيص تصدير الأسلحة التي يمكن أن تسهم في دعم الاحتلال في الضفة الغربية.
واتهم ميليباند الحكومة الإسرائيلية بغض الطرف عن عمليات تهجير للفلسطينيين وعنف ينفذه المستوطنون في الضفة الغربية، في حين قال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام إن الإجراءات البريطانية تهدف إلى زيادة الضغط على إسرائيل من أجل تغيير مسارها، مشيراً إلى أن عدد المستوطنات التي وافقت إسرائيل على إقامتها خلال السنوات الأربع الماضية يفوق ما تمت الموافقة عليه خلال العقدين السابقين، وأن المستوطنين نفذوا نحو 1500 عملية عنف خلال العام الحالي.
ولم تكن بريطانيا وحدها في هذا المسار، إذ أعلنت 11 دولة غربية أخرى، هي كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد، نيتها فرض قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
ويشكل هذا التحرك الغربي الجماعي مؤشراً إضافياً على تنامي الضغوط السياسية والدبلوماسية على حكومة الاحتلال، خصوصاً أن الإجراءات تأتي في سياق سلسلة متصاعدة من المواقف الدولية الرافضة للتوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، في وقت تواصل فيه الحكومة الإسرائيلية الدفع بمشاريع جديدة على الأرض.
وفي هذا السياق، كشفت تقارير عن أن اللجنة الفرعية للاستيطان التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية تعتزم بحث ثلاثة مخططات استيطانية جديدة في الضفة الغربية، تضم في مجموعها 747 وحدة استيطانية، وذلك بعد أقل من 12 ساعة على إعلان الدول الغربية إجراءاتها ضد المستوطنات.
وبحسب تحليل أجرته جمعية «بِمكوم – تخطيط وحقوق إنسان»، تشمل المخططات مستوطنات «يطاف غرب» و'ماعوز» و'عادي عاد»، ويبرز بينها المخطط رقم 320/6 لإقامة مستوطنة «يطاف غرب» في منطقة الأغوار على مساحة تقارب 200 دونم، وبناء 281 وحدة استيطانية، على مسافة تقل عن 100 متر من مستوطنة «يطاف» القائمة، وبمحاذاة المنطقة التي كان يقيم فيها تجمع رأس عين العوجا الفلسطيني.
وكان التجمع، الذي يعد من أكبر التجمعات الرعوية في الضفة الغربية المحتلة، قد اضطر سكانه إلى مغادرة المنطقة في أواخر كانون الثاني 2026، بعد سنوات من الضغوط والاعتداءات والمضايقات التي تعرضوا لها من المستوطنين، وفق ما أوردته الجمعية.
وتشير الوثائق المتعلقة بالمخطط إلى أن الأراضي المشمولة به، والتي كانت تستخدم للرعي والزراعة من قبل أهالي التجمع، نُقلت ملكيتها إلى شركة استيطانية تحمل اسم «أل-وطن» المحدودة، وربطت تقارير إعلامية الشركة بمنظمة «أمانا» الاستيطانية المتطرفة التي يقع مقرها في القدس الشرقية المحتلة.
كما تقع المستوطنة المقترحة على مسافة عشرات الأمتار من شلال العوجا، الذي كان قبل تهجير التجمع وجهة يرتادها الفلسطينيون للتنزه، قبل أن يتراجع وصولهم إليه بصورة كبيرة مع اتساع الوجود الاستيطاني وسيطرة المستوطنين على المنطقة المحيطة به.
وتظهر الوثائق أن إجراءات التخطيط لإقامة «يطاف غرب» بدأت في وقت كان سكان رأس عين العوجا لا يزالون يكافحون للبقاء في المنطقة، إذ قررت الحكومة الإسرائيلية في 11 كانون الأول 2025 إقامة المستوطنة، ثم صادق قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال في 28 كانون الأول من العام ذاته على تحديد منطقة نفوذها، قبل أن تتم الموافقة على المخطط لدى مكتب التخطيط بعد نحو أسبوع، تمهيداً لعرضه على اللجنة الفرعية للاستيطان.
وحذرت جمعية «بِمكوم» من أن إقامة المستوطنة في المنطقة المحاذية لوادي العوجا ستجعل عودة عائلات رأس عين العوجا إلى أراضيها التي عاشت فيها ورعت مواشيها لنحو خمسة عقود أكثر صعوبة، فضلاً عن تكريس إبعاد الفلسطينيين عن مواقع التنزه والمناطق الطبيعية في المنطقة.
أما المخططان الآخران، فيتعلق الأول بالمخطط رقم 139 الذي يستهدف شرعنة البؤرة الاستيطانية «ماعوز تسفي» في منطقة جنين شمال الضفة الغربية وتحويلها إلى مستوطنة مستقلة باسم «ماعوز»، ويشمل إقامة 99 وحدة استيطانية على مساحة تقارب 240 دونماً. وكانت البؤرة قد أقيمت عام 2001، فيما قررت الحكومة الإسرائيلية في أيار 2025 الاعتراف بها مستوطنة مستقلة.
ويستهدف المخطط الثاني، رقم 252/2، شرعنة بؤرة «عادي عاد» التي أقيمت عام 1998، وتحويلها إلى مستوطنة تضم 367 وحدة استيطانية على مساحة تقارب 672 دونماً، بعدما قررت الحكومة الإسرائيلية أيضاً الاعتراف بها مستوطنة مستقلة في أيار 2025.
وقال أساف بيلد، من جمعية «بِمكوم – تخطيط وحقوق إنسان»، إن مخطط «يطاف غرب» يجسد بصورة واضحة العلاقة بين عنف المستوطنين والسياسة الاستيطانية للحكومة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن الدولة، بدلاً من حماية سكان رأس عين العوجا من العنف الذي أدى إلى تهجيرهم، تمضي في إقامة مستوطنة جديدة بمحاذاة أراضيهم بعد أشهر قليلة من مغادرتهم المنطقة.
وأضاف أن تسريع الإجراءات يأتي بعد أقل من 12 ساعة على إعلان العقوبات الغربية، معتبراً أن توقيت الخطوة يعكس حجم التناقض بين السياسة الإسرائيلية والمطالب الدولية بوقف التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين.
وفي الجانب الأميركي، أورد موقع «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ودبلوماسيين غربيين، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تعارض المبادرة البريطانية، في مؤشر اعتبره الموقع دلالة على وجود استياء في واشنطن من سياسة حكومة نتنياهو في الضفة الغربية.
في المقابل، ظهر تباين داخل الموقف الأميركي، بعدما هاجم سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، العقوبات البريطانية ووصفها بأنها «تمييز ضد الشعب اليهودي» و«غير عقلانية»، قبل أن ينأى البيت الأبيض بنفسه عن تصريحاته، مؤكداً أنها لم تكن منسقة مع البيت الأبيض أو وزارة الخارجية.
وتأتي هذه التطورات في ظل حساسية خاصة تحيط بمنطقة E1، التي ظلت موضع اعتراض من الإدارات الأميركية المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية، على مدى سنوات، بسبب تداعيات إقامة مشروع استيطاني فيها على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وعلى فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
وتشير مجمل التطورات إلى أن حكومة الاحتلال ماضية في توسيع المشروع الاستيطاني رغم اتساع دائرة الضغوط والعقوبات الغربية، في وقت تحولت فيه المستوطنات وعنف المستوطنين إلى نقطة خلاف متزايدة بين إسرائيل وعدد من حلفائها التقليديين، وسط مخاوف دولية من أن يؤدي تسارع الإجراءات على الأرض إلى فرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً.