أظهرت نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA 2025، التي أعلنتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تحسناً واضحاً في أداء الطلبة الأردنيين مقارنة بنتائج عام 2022. وقد يكون من المغري النظر إلى هذه النتائج باعتبارها دليلاً على أن التعليم المدرسي في الأردن بدأ يستعيد عافيته. غير أن القراءة الأكاديمية الأكثر دقة تقتضي وضع النتائج ضمن مسار زمني أطول، يمتد إلى ما قبل جائحة كورونا، حتى نستطيع الإجابة عن السؤال الأهم: هل التعليم الأردني يتقدم فعلاً، أم أننا نستعيد فقط ما فقدناه؟
تعود مشاركة الأردن في اختبارات PISA إلى سنوات طويلة، وتظهر النتائج أن المسار لم يكن مسار تراجع مستمر. ففي القراءة، على سبيل المثال، سجل الأردن 401 نقطة عام 2006، ثم 405 عام 2009، و399 عام 2012، و408 عام 2015، قبل أن يصل إلى 419 نقطة عام 2018. أما الرياضيات فانتقلت من 384 نقطة عام 2006 إلى 387 عام 2009 و386 عام 2012، ثم انخفضت إلى 380 عام 2015، قبل أن ترتفع بصورة ملحوظة إلى 400 عام 2018. وفي العلوم كان الأداء 422 نقطة عام 2006، و415 عام 2009، و409 في 2012 و2015، ثم ارتفع إلى 429 عام 2018. وبذلك كانت نتائج 2018، في المجالات الثلاثة، من أفضل النتائج التي حققها الأردن في مشاركاته في PISA.
ثم جاءت نتائج 2022 لتعكس هبوطاً حاداً، ارتبط في جانب مهم منه بالاضطراب التعليمي الذي رافق جائحة كورونا وإغلاق المدارس والتحول إلى التعليم عن بعد. ولهذا فإن اتخاذ 2022 وحدها نقطة مرجعية قد يعطي انطباعاً مضللاً عن حجم التحسن الحالي.
في PISA 2025 ارتفعت نتيجة الأردن في الرياضيات إلى 388 نقطة، بزيادة 26 نقطة عن 2022، وارتفعت العلوم إلى 407 نقاط، بزيادة 32 نقطة. كما تحسن أداء القراءة مقارنة بعام 2022. وتؤكد OECD أن أداء الأردن تحسن في المجالات الثلاثة بين 2022 و2025
وهذا بلا شك تطور إيجابي يستحق الاعتراف به. لكن الصورة تتغير قليلاً عندما تكون المقارنة مع عام 2018 بدلاً من 2022. ففي الرياضيات، وهي المادة التي تؤكد OECD إمكان إجراء المقارنة الزمنية الطويلة فيها بصورة موثوقة، حصل الأردن على 388 نقطة عام 2025، مقابل 400 نقطة عام 2018. أي أننا استعدنا قسماً كبيراً من الخسارة، لكننا لم نتجاوز بعد مستوى ما قبل الجائحة. وتقول OECD نفسها إن نتيجة الرياضيات في 2025 ظلت دون نتيجة 2018، وإن كانت قريبة من النتائج التي حققها الأردن في دوراتPISA السابقة.
أما القراءة والعلوم، فينبغي الحذر في إجراء مقارنة رقمية مباشرة بين 2018 و2025؛ فقد انتقل الأردن إلى الاختبار المحوسب في دورة 2022، وترى OECD أن قابلية المقارنة في هذين المجالين مع الدورات السابقة لا يمكن ضمانها. ولذلك يبدأ خط الاتجاه الرسمي للقراءة والعلوم من 2022. وهذه ملاحظة منهجية مهمة، لأن الأرقام ينبغي ألا تستخدم لإثبات تحسن أو تراجع لا تسمح به منهجية الاختبار نفسها.
لكن المشكلة الأكثر أهمية لا تكمن في بضعة نقاط صعوداً أو هبوطاً، وإنما في مستوى الكفايات الذي يصل إليه الطالب الأردني. ففي PISA 2025 بلغ 48% فقط من الطلبة الأردنيين المستوى الثاني أو أعلى في العلوم، مقابل 74% في دول OECD. وفي الرياضيات بلغت النسبة 31% فقط مقابل 65%، وفي القراءة 26% مقابل 69%. كما أن نسبة الطلبة الذين يصلون إلى المستويات العليا في الرياضيات والقراءة تكاد تكون معدومة، وفي العلوم بلغت نحو 0.3% فقط، مقارنة بنحو 7.2% في دول OECD.
وهناك مؤشر أراه أكثر إثارة للقلق من العلامات نفسها: بيانات 2025 تضع الأردن بين الدول المنخفضة جداً في مؤشر الفضول العلمي؛ وقال 60.2% فقط من الطلبة إنهم يحبون معرفة كيف تعمل الأشياء، وهي من أدنى النسب بين الدول المشاركة. وهذا يوحي بأن القضية ليست حفظ المناهج فقط، وإنما قدرة المدرسة على تنمية حب الاستطلاع، والتفكير النقدي، وحل المشكلات والتعلم المستقل.
وهنا تكمن، في رأيي، القضية الحقيقية للتعليم الأردني. فنحن لا نواجه فقط مشكلة متوسطات أو ترتيب دولي، بل مشكلة في قدرة نسبة كبيرة من الطلبة على استخدام ما تعلموه. فاختبار PISA لا يقيس مقدار ما يحفظه الطالب من الكتاب المدرسي، وإنما قدرته على قراءة نص وفهمه، واستخدام الرياضيات في موقف جديد، وتحليل الأدلة العلمية والوصول منها إلى استنتاج منطقي.
ومن الإنصاف، في الوقت نفسه، ألا نتجاهل الإشارة الإيجابية في نتائج 2025. فقد انخفضت نسبة الطلبة دون المستوى الثاني مقارنة بعام 2022 بمقدار 14 نقطة مئوية في الرياضيات، وست نقاط في القراءة، و17 نقطة في العلوم. وهذا تحسن مهم لأنه يعني انتقال شريحة ملموسة من الطلبة من مستويات الأداء الأدنى إلى مستوى أفضل
لذلك أعتقد أن وصف التعليم الأردني بأنه «في تراجع مستمر» ليس دقيقاً، مثلما أن القول إنه «يتقدم بصورة مطردة» لا تؤيده الأدلة بعد. الصورة الأقرب إلى الواقع هي أن النظام التعليمي الأردني أظهر تحسناً ملحوظاً حتى 2018، ثم تعرض لانتكاسة كبيرة، وهو الآن في مرحلة تعافٍ حقيقي ولكنه غير مكتمل.
والتحدي المقبل يجب ألا يكون مجرد استعادة أرقام 2018. فلو عاد الأردن إلى مستوى 2018 فقط، فإننا نكون قد عوضنا خسائر عدة سنوات دون أن نكون قد أحدثنا التحول الذي يحتاج إليه التعليم الأردني. المطلوب هو تجاوز ذلك المستوى، خصوصاً في مهارات القراءة العميقة، والرياضيات التطبيقية، والاستقصاء العلمي، وحل المشكلات.
وفي عصر أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على توفير المعلومات في ثوانٍ، تصبح المدرسة التي تكتفي بتلقين المعلومات أقل قيمة من أي وقت مضى. القيمة الحقيقية للمدرسة والمعلم ستكون في تعليم الطالب كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يحلل، وكيف يميز بين المعلومة والرأي، وكيف يستخدم المعرفة لحل مشكلة لم يرها من قبل.
وعليه، فإن نتائج PISA 2025 تحمل للأردن رسالتين في آن واحد: الأولى إيجابية، وهي أن جزءاً مهماً من خسارة السنوات الماضية يمكن استعادته وأن التحسن ممكن؛ والثانية تحذيرية، وهي أن التعافي لا ينبغي أن يُخلط بالإصلاح. لقد بدأنا نستعيد ما فقدناه، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السياسة التعليمية الآن ليس: هل عدنا إلى ما كنا عليه؟ وإنما: كيف ننتقل بالتعليم الأردني إلى مستوى لم نصل إليه من قبل؟
وهذا، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.
التعليم الأردني بين التعافي والاصلاح: ماذا تقول نتائج PISA 2025؟
12:20 10-9-2026
آخر تعديل :
الخميس