أكد خبراء اقتصاديون أن توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني للحكومة لوضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي، بالتعاون مع القطاع الخاص، يحمل بعدًا اقتصاديًا واستثماريًا يتجاوز الجانب البيئي، إذ يمكن للتمويل المناخي أن يصبح أداة لجذب رؤوس الأموال الخارجية والخاصة نحو مشاريع المياه والطاقة والنقل والصناعة والزراعة، بما يخفف الضغط على المالية العامة، ويرفع تنافسية الاقتصاد، ويخلق فرصًا جديدة للنمو.
ولفت الخبراء في أحاديث لـ«$» إلى أن وضع استراتيجية موحدة للتمويل المناخي يمكن أن تساعد الأردن على تحديد أولوياته الاستثمارية المناخية بوضوح، وتوحيد جهود المؤسسات الحكومية، وتحسين قدرته على الوصول إلى صناديق المناخ الدولية والتمويل الميسر، خصوصًا أن الأردن بحاجة إلى استثمارات كبيرة في قطاعات المياه والطاقة والنقل والزراعة والصناعة.
وترأس جلالة الملك عبدالله الثاني، الاثنين، اجتماعًا للاطلاع على جهود الحكومة وخططها في مجال التمويل الأخضر والتمويل المناخي، وجه الحكومة خلاله لوضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة في مجال التمويل المناخي، بالتعاون والتنسيق مع القطاع الخاص.
وأكد جلالته، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، أهمية توفير برامج للدعم الفني، لتمكين القطاعين العام والخاص من الاستفادة من مصادر التمويل المناخي المتوفرة وأدوات الحد من انبعاثات الكربون لتحقيق أفضل الممارسات البيئية، انسجامًا مع المستهدفات المحلية والعالمية للبيئة والمناخ.
وأشار جلالة الملك إلى أهمية التمويل المناخي في تعزيز الجهود الرامية لتحقيق الأهداف البيئية والتنمية المستدامة.
واستمع جلالته إلى شرح قدمته وزيرة التخطيط والتعاون الدولي زينة طوقان، حول ما تم إنجازه في مجال التمويل المناخي، لا سيما حصول الأردن على تمويل بقيمة 295 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر لمشروع الناقل الوطني للمياه، وهو أكبر تمويل يمنحه الصندوق لمشروع واحد، إضافة إلى اختيار المملكة كمقر لمكتب الصندوق التمثيلي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقية.
ويهدف التمويل الأخضر إلى توجيه الموارد نحو الأنشطة الاقتصادية التي تسهم في الحفاظ على البيئة وخفض التلوث، فيما يركز التمويل المناخي على مواجهة التغير المناخي وخفض الانبعاثات والتكيف مع آثاره، بما يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
أكد رئيس غرفة صناعة الزرقاء السابق المهندس فارس حمودة على توجيهات جلالة الملك للحكومة بوضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة في مجال التمويل المناخي، مبينًا أن التوجهات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر أوجدت العديد من الجهات والمصادر التي تقدم التمويلات لدعم حماية البيئة والحد من انبعاثات الكربون، وبالتالي مستويات التغير المناخي حول العالم.
وبين حمودة أن وضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة في مجال التمويل المناخي يساعد بشكل كبير على تنظيم الجهود وتكاملها لتعظيم استفادة الاقتصاد الوطني الأردني من الموارد المتاحة محليًا ودوليًا في مجال التمويل الأخضر والمناخي، وبما يتناغم مع برامج التمويل الأخضر المقررة في رؤية التحديث الاقتصادي.
وشدد حمودة على الدور الهام للشراكة ما بين القطاعين العام والخاص، والذي أكده جلالة الملك في توجيهاته للحكومة من خلال إشراك القطاع الخاص في المفاصل الرئيسية للاستراتيجية الوطنية الخاصة بالتمويل المناخي، حيث إن العديد من البرامج التمويلية تكون موجهة نحو القطاع الخاص، ومن ضمنه القطاع الصناعي على وجه الخصوص.
وأضاف حمودة أن الاستراتيجية الوطنية ستشمل تنظيم وتوجيه برامج الدعم الفني وتوظيف الأدوات المساعدة في مجال الاستفادة من مصادر التمويل المناخي المتاحة عالميًا، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في مجال الاقتصاد الأخضر والبيئي، وخاصة مع اهتمام الدول المتقدمة بالاستثمار في خفض انبعاثات الكربون، والمساعدة في إحلال الممارسات البيئية الخضراء والتنمية المستدامة.
كما أضاف حمودة أن مشروعات كمشروع الناقل الوطني تعتبر من أهم الإنجازات بحصوله على تمويل بقيمة 295 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر، حيث إن التمويلات العالمية في مجالات التمويل المناخي والأخضر متاحة لتمويل العديد من المشاريع في القطاعين العام والخاص، والتي يمكن استثمارها وطنيًا خلال الفترة المقبلة.
ويرى الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة أن توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني للحكومة بوضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي يمثل خطوة اقتصادية مهمة، لأنه ينقل التعامل مع قضايا المناخ من إطار بيئي محدود إلى جزء من السياسة الاقتصادية والاستثمارية للدولة.
كما لفت مخامرة إلى أن وضع استراتيجية موحدة للتمويل المناخي يمكن أن يساعد الأردن على تحديد أولوياته الاستثمارية المناخية بوضوح، وتوحيد جهود المؤسسات الحكومية، وتحسين قدرته على الوصول إلى صناديق المناخ الدولية والتمويل الميسر، خصوصًا أن الأردن بحاجة إلى استثمارات كبيرة في قطاعات المياه والطاقة والنقل والزراعة والصناعة.
وأضاف أن دعوة جلالته لإشراك القطاع الخاص في إعداد وتنفيذ الاستراتيجية أمر أساسي، لأن تمويل التحول الأخضر لا يمكن أن يعتمد على الموازنة العامة وحدها. فمن خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتمويل المختلط، والقروض والسندات الخضراء، يمكن استقطاب رؤوس أموال محلية وأجنبية لتنفيذ مشروعات ذات جدوى اقتصادية وبيئية.
وبين أنه من المهم أيضًا، بحسب مخامرة، أن تنظر الحكومة إلى التمويل المناخي باعتباره فرصة لجذب استثمارات جديدة وخلق فرص عمل في قطاعات المستقبل، مثل الطاقة المتجددة، وقطاع الطاقة، وإدارة المياه، وإعادة التدوير، والتكنولوجيا النظيفة والزراعة الذكية.
وذكر أن التحدي الحقيقي للحكومة يكمن في الانتقال من وضع الاستراتيجية إلى التنفيذ، من خلال إنشاء محفظة واضحة من المشروعات القابلة للتمويل والاستثمار، مع دراسات جدوى متكاملة وحوافز للقطاع الخاص ومؤشرات لقياس العائد الاقتصادي والبيئي.
وأشار مخامرة إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بحجم التمويل المناخي الذي يحصل عليه الأردن فقط، وإنما بقدرته على توظيفه في مشروعات ترفع النمو الاقتصادي، وتخفض كلف الطاقة والمياه، وتخلق فرص عمل، وتعزز تنافسية الاقتصاد وأمن الأردن المائي والطاقة.
أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني للحكومة لوضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي، بالتعاون مع القطاع الخاص، يحمل بعدًا اقتصاديًا واستثماريًا يتجاوز الجانب البيئي، إذ يمكن للتمويل المناخي أن يصبح أداة لجذب رؤوس الأموال الخارجية والخاصة نحو مشاريع المياه والطاقة والنقل والصناعة والزراعة، بما يخفف الضغط على المالية العامة، ويرفع تنافسية الاقتصاد ويخلق فرصًا جديدة للنمو والتشغيل.
وأوضح الحدب أن الأردن يقدم حالة مهمة في هذا المجال؛ فالمملكة تسهم بنحو 0.06% فقط من الانبعاثات العالمية، في حين يحتاج تحقيق مستهدف خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 31% إلى استثمارات قدرت بنحو 7.5 مليار دينار. وهذا يعني أن قضية المناخ بالنسبة للأردن ليست قضية انبعاثات فقط، وإنما قضية أمن مياه وطاقة وغذاء وتنافسية اقتصادية، ما يجعل الوصول إلى التمويل الدولي الميسر ضرورة اقتصادية وليس مجرد التزام بيئي.
وأشار الحدب إلى أن حصول الأردن على 295 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر لمشروع الناقل الوطني للمياه يقدم نموذجًا عمليًا لما يمكن أن تحققه الهندسة المالية الجيدة؛ إذ يتكون التمويل من 75 مليون دولار كمنحة و220 مليون دولار كقرض، في مشروع تبلغ قيمته التمويلية الإجمالية نحو 6.3 مليار دولار. وبذلك لا يمثل تمويل الصندوق سوى نحو 4.7% من إجمالي التمويل، بينما يصل التمويل المشترك من المصادر الأخرى إلى نحو 6 مليارات دولار.
وبيّن الحدب أن القراءة المالية الأهم لهذه الأرقام هي أن كل دولار من تمويل صندوق المناخ الأخضر ارتبط بأكثر من 20 دولارًا من مصادر التمويل الأخرى ضمن هيكل المشروع. ولا يعني ذلك إمكانية تحقيق النسبة نفسها في كل مشروع، لكنه يوضح أن القيمة الحقيقية للتمويل المناخي لا تكمن فقط في حجم المنحة أو القرض الذي يحصل عليه الأردن، وإنما في قدرة هذا التمويل على تخفيض المخاطر وحشد أضعافه من المؤسسات الدولية والبنوك والقطاع الخاص.
وأضاف أن هذا النموذج، المعروف بالتمويل الممزوج، يمكن أن يشكل أداة مهمة للأردن في ظل محدودية الموارد المالية وكبر الاحتياجات الاستثمارية، بحيث تستخدم المنح والقروض الميسرة والضمانات لتقليل مخاطر المشروع وتحسين جدواه وجذب المستثمر الخاص، بدلًا من أن تتحمل الخزينة كامل الكلفة. وبالتالي يصبح السؤال الأهم عند تصميم أي مشروع مناخي جديد: كم دينارًا من رأس المال الخاص والخارجي نستطيع حشده مقابل كل دينار من المال العام أو التمويل الميسر؟
وأكد الحدب أن الأردن يمتلك قاعدة جيدة للبناء عليها، خصوصًا في قطاع الطاقة؛ إذ ارتفعت مساهمة الطاقة المتجددة في خليط الكهرباء من نحو 0.5% عام 2014 إلى قرابة 27% بنهاية 2024، فيما تستهدف استراتيجية قطاع الطاقة 2025–2035 رفع مساهمة المصادر المتجددة إلى 40% بحلول 2035، إلى جانب تحقيق وفر تراكمي في كفاءة الطاقة بنسبة 15% مقارنة بخط أساس 2023. وهذا التحول يحمل أثرًا اقتصاديًا مباشرًا، لأن تخفيض استهلاك الطاقة وكلفتها على المصانع والمنشآت يرفع الإنتاجية والتنافسية والقدرة على التصدير.
وأشار الحدب إلى أن المرحلة المقبلة يجب أن تنقل التمويل الأخضر بصورة أوسع من المشاريع الكبرى إلى المصانع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والمزارعين وقطاع النقل. فتمويل مصنع لرفع كفاءة الطاقة لا يخفض الانبعاثات فقط، بل يخفض كلفة الإنتاج ويحسن هامش الربح ويزيد قدرته على التوسع والتوظيف، كما أن تمويل تقنيات توفير المياه في الزراعة يحمي الإنتاج والدخل في بلد يعد شح المياه أحد أهم تحدياته الاقتصادية.
وأوضح أن هذه المسألة ستصبح أكثر ارتباطًا بالصادرات الأردنية خلال السنوات المقبلة، مع تزايد ارتباط التجارة الدولية بالبصمة الكربونية ومعايير الاستدامة. ولذلك فإن مساعدة المصانع الأردنية على قياس انبعاثاتها وتحسين كفاءة الطاقة والتحول إلى مصادر أكثر نظافة يجب أن ينظر إليها باعتبارها سياسة لحماية تنافسية الصادرات والوصول إلى الأسواق، وليس مجرد سياسة بيئية.
ولفت الحدب إلى أن أحد أهم عناصر التوجيه الملكي يتمثل في توفير الدعم الفني للقطاعين العام والخاص، لأن التحدي عالميًا لا يتمثل دائمًا في غياب الأموال، بل في نقص المشاريع القابلة للتمويل. فالمستثمر أو الصندوق الدولي يحتاج إلى مشروع مكتمل الدراسات، واضح التدفقات النقدية والمخاطر والعائد والأثر البيئي. ومن هنا يمكن إنشاء منصة وطنية للمشاريع المناخية القابلة للاستثمار تضم مشاريع محددة في المياه والطاقة والنقل والصناعة والزراعة، مع تحديد حجم الاستثمار والعائد ومصادر التمويل ونسبة مشاركة القطاع الخاص والجدول الزمني لكل مشروع.
واقترح الحدب أن ترافق الاستراتيجية وحدة متخصصة لإعداد وهيكلة المشاريع الخضراء والمناخية بالتنسيق بين الجهات الحكومية والبنك المركزي والقطاع المصرفي والقطاع الخاص، تعمل على تحويل الاحتياجات الوطنية إلى مشاريع جاهزة للتمويل، مع التوسع في استخدام أدوات مثل السندات الخضراء والضمانات وخطوط الائتمان الخضراء وأدوات أسواق الكربون. فالأردن أصدر بالفعل أول سند أخضر عبر القطاع المصرفي المحلي بقيمة 50 مليون دولار في عام 2023، ما يوفر تجربة يمكن البناء عليها وتوسيعها.
وأكد الحدب أن اختيار المملكة مقرًا للمكتب التمثيلي لصندوق المناخ الأخضر لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقية ينبغي استثماره اقتصاديًا، وليس التعامل معه كإنجاز مؤسسي فقط، من خلال العمل على جعل عمان مركزًا إقليميًا للتمويل المناخي والخدمات المرتبطة به، يستقطب البنوك والمستثمرين والاستشاريين والمهندسين وخبراء أسواق الكربون والتدقيق البيئي. وهذا يمكن أن يخلق قطاعًا جديدًا من الخدمات المالية والمهنية عالية القيمة ويوفر فرص عمل للكفاءات الأردنية ويتيح تصدير هذه الخبرات إلى المنطقة.
وبيّن الحدب أن نجاح الاستراتيجية يجب ألا يقاس مستقبلًا فقط بحجم الأموال المناخية التي يحصل عليها الأردن، بل بمجموعة مؤشرات اقتصادية أكثر أهمية: كم استثمارًا خاصًا حشد كل دينار من التمويل الميسر؟ كم مشروعًا وصل إلى الإغلاق المالي والتنفيذ؟ كم وظيفة أردنية خلق؟ كم خفض كلفة الطاقة والمياه؟ وكم أضاف إلى الإنتاج والصادرات؟ فهذه المؤشرات هي التي تحول التمويل المناخي من رقم مالي إلى أثر اقتصادي يمكن قياسه.
واختتم الحدب بالتأكيد على أن التوجيه الملكي يوفر فرصة للانتقال من التعامل مع المناخ باعتباره تحديًا يحتاج إلى التمويل، إلى اعتباره أيضًا فرصة لجذب الاستثمار والتكنولوجيا وخلق قطاعات جديدة، خصوصًا أن الأردن أصبح يمتلك خبرة في الطاقة المتجددة والتمويل الأخضر والمشاريع المائية الكبرى، إلى جانب موقع مؤسسي متقدم مع صندوق المناخ الأخضر.
وأضاف: فالتمويل المناخي الناجح ليس المال الذي يدخل الأردن فقط، وإنما مقدار الاستثمار الذي نستطيع حشده حوله. والمشروع الأخضر الأفضل ليس فقط الذي يخفض الانبعاثات، بل الذي يخفض كلفة الإنتاج، ويحمي موردًا وطنيًا، ويرفع تنافسية الشركات والصادرات، ويخلق فرص العمل. وعندها يتحول التمويل المناخي من التزام بيئي إلى محرك جديد للاستثمار والنمو الاقتصادي.