صبر استراتيجي في واشنطن.. وحصار بحري يرهق طهران

((حرب إيران)) تدخل شهرها السابع بلا حسم

تاريخ النشر : الأربعاء 12:02 9-9-2026
No Image

صادرات النفط الإيرانية تهبط لربع مليون برميل يومياً

أزمة ذات أبعاد دولية تهدد حركة الملاحة في «هرمز»

الإدارة الأميركية تسعى لتحقيق أهدافها بأقل تكلفة

تعيش القيادتان السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة وإسرائيل حالة متزايدة من الإحباط الاستراتيجي إزاء إيران، في ظل حرب دخلت شهرها السابع من دون أن يتمكن أي من الطرفين من تحقيق حسم واضح.

ففي الوقت الذي نجحت فيه واشنطن في فرض حصار بحري غير مسبوق أدى إلى تراجع صادرات النفط الإيرانية إلى نحو ربع مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو مليوني برميل قبل الحرب، ووصل التضخم في إيران إلى 69.9 بالمئة، لم ينهَر النظام الإيراني، بل سعى إلى تحويل عزلته الاقتصادية إلى أزمة ذات أبعاد دولية، عبر تهديد حركة الملاحة في مضيقي هرمز وملقا، وتوسيع نطاق عملياته ليشمل دول الخليج.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يشغل دوائر البحث والاستراتيجية في واشنطن وتل أبيب: هل تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل ما يكفي من «الصبر الاستراتيجي» للصمود أمام خصم أظهر استعداداً لدفع أثمان باهظة من أجل البقاء؟.

وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن إيران تواجه واحدة من أصعب مراحلها منذ عقود.

ووفق تحليل إيال تسير كوهين، الرئيس السابق لقسم «العالم» في جهاز الموساد، المنشور في صحيفة «N12»، انخفضت شحنات النفط الإيرانية من نحو مليوني برميل يومياً قبل الحرب إلى قرابة ربع مليون برميل فقط، فيما أظهرت بيانات المركز الإحصائي الإيراني أن متوسط التضخم بلغ 69.9 بالمئة، وارتفعت الأسعار بنسبة 89 بالمئة مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي.

ورغم هذه المؤشرات القاسية، يحذر كوهين، من التسرع في استنتاج أن النظام الإيراني بات على وشك الانهيار، مؤكداً أن طهران تتعامل مع العقوبات منذ أكثر من أربعة عقود، وطورت خلال هذه الفترة آليات متعددة للالتفاف عليها، وبالتالي فإن «أي شخص يعد بأن الضغط الاقتصادي وحده كفيل بإسقاط النظام غداً صباحاً، فهو ببساطة غير جاد».

وتكمن المعضلة بالنسبة لواشنطن وتل أبيب في أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية الهائلة لم تدفع طهران إلى الاستسلام، بل دفعتها إلى محاولة نقل كلفة الحرب إلى خصومها وإلى الاقتصاد العالمي.

ويشير كوهين إلى أن إيران تسعى إلى «جعل عزلتها مشكلة للجميع»، من خلال توسيع دائرة الضرر العسكري لتطال حلفاء الولايات المتحدة ومناطق لا ترتبط مباشرة بساحة الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يستشهد بتقارير حول دراسة الوحدة 4000 التابعة لمخابرات الحرس الثوري الإيراني خيارات للتحرك ضد الملاحة في مضيق ملقا، بما يعكس، وفق قراءته، تحولاً في المنطق الاستراتيجي الإيراني من محاولة تحمل الحصار إلى السعي لتوسيع كلفته عالمياً، وفق قاعدة مفادها: «إذا فرضتم حصاراً علينا، فسنسعى إلى تحويله إلى حصار عليكم جميعاً».

وفي الجانب الأميركي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالمسؤول السابق في البيت الأبيض عن ملف الشرق الأوسط، بريت ماكغورك، يرى في تحليل نشره في 30 آب 2026 أن إيران بدأت تفقد جزءاً من نفوذها في مضيق هرمز، وأن الضغط الأميركي أسهم في تغيير موازين القوى، بعدما نجحت الولايات المتحدة في كبح إحدى أبرز أدوات الضغط التي كانت تمتلكها طهران، والمتمثلة في القدرة على تحويل المضيق إلى سلاح موجه ضد الاقتصاد العالمي.

غير أن ماكغورك يرى في الوقت ذاته أن الضغط العسكري وفر فرصة سياسية، لكنه لم يغير وحده المعادلة الاستراتيجية، خصوصاً أن الهدنة لا تزال مؤقتة وهشة، ما يعني أن واشنطن لم تصل بعد إلى نقطة يمكن عندها اعتبار الصراع محسوم النتائج.

وأمام الإدارة الأميركية، وفق هذا التقييم، ثلاثة مسارات رئيسية، لا يخلو أي منها من كلفة استراتيجية وسياسية كبيرة: القبول بالسيادة الإيرانية الفعلية على مضيق هرمز، أو مواصلة سياسة الحصار وإدارة الاشتباكات والهجمات الانتقامية، أو الذهاب نحو مزيد من التصعيد العسكري ضد إيران مع قبول خطر اتساع نطاق الحرب.

ويكشف هذا الطرح حجم المأزق الذي تواجهه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ لا يبدو أن هناك خياراً مثالياً يمكن أن يحقق أهداف واشنطن بأقل تكلفة، فيما يتحول عامل الوقت تدريجياً إلى سيف ذي حدين؛ فهو يضغط على إيران اقتصادياً، لكنه في المقابل يرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، ويزيد الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية.

أما في إسرائيل، فإن الإحباط يبدو مزدوجاً؛ فهو مرتبط من جهة بحجم الضغوط التي تتعرض لها إيران، ومن جهة أخرى بعجز إسرائيل عن تحويل تفوقها العسكري والدمار الواسع الذي أحدثته عملياتها إلى إنجاز سياسي واضح.

وفي تقرير نشرته صحيفة «معاريف»، يصف الكاتب آفي أشكنازي حالة الإحباط التي تسود المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن إيران، رغم الضغوط الأميركية، تحاول فتح جبهات جديدة وتوسيع دائرة المواجهة.

ويشير أشكنازي إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدرك حجم الإحباط الإيراني، لكنها تواجه في الوقت ذاته إحباطاً متزايداً لدى التنظيمات والقوى التي لم تنجح في تنفيذ خطوات قادرة على تغيير السلوك الإقليمي بصورة حاسمة.

غير أن الإحباط الإسرائيلي لا يتعلق بإيران وحدها، إذ تكشف تقارير «معاريف» أن «الإحباط في النظام الأمني الإسرائيلي هائل»، لأن الإنجازات العسكرية على مختلف الجبهات لم تتحول إلى إنجازات سياسية، في وقت تعاني فيه السياسة الإسرائيلية من حالة «شلل» تحول دون ترجمة القوة العسكرية إلى تسويات أو نتائج استراتيجية طويلة الأمد.

وفي ما يتعلق بحزب الله، يقر أشكنازي بأن الحزب فقد قدراً كبيراً من حضوره ونفوذه داخل لبنان، وأن خسارته 15 نفقاً في جنوب لبنان شكلت ضربة معنوية له، وأظهرت التنظيم في نظر قطاعات داخل لبنان والمنطقة باعتباره أكثر ضعفاً وتضرراً، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن الحزب يعيد تنظيم أسلوب عمله وفق نمط حرب العصابات، ويحاول تحدي الجيش الإسرائيلي في نقاط محددة وعمليات موضعية.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن جوهر المعركة المقبلة لم يعد مرتبطاً فقط بمن يمتلك التفوق العسكري أو القدرة على توجيه ضربات أشد، وإنما بمن يمتلك القدرة على تحمل كلفة الحرب لفترة أطول.

ويلخص كوهين جوهر الصراع بالقول إنه بات «صراعاً على الثمن الذي يرغب كل طرف في دفعه على المدى البعيد»، قبل أن يطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة الصمود طويلاً أمام عدو «يظهر سلوكه أنه سيفعل أي شيء تقريباً للبقاء»؟

وهنا يأخذ مفهوم «الصبر الاستراتيجي» معنى أكثر قسوة من مجرد الانتظار، فالثمن، وفق كوهين، قد يشمل اضطراب أنماط الحياة، وفترات من عدم الاستقرار الأمني، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتضرر الاقتصاد، إضافة إلى الإدانات والضغوط السياسية الخارجية. ولذلك فإن الصبر الاستراتيجي لا يعني الانتظار السلبي، وإنما الاستعداد لدفع كلفة في الحاضر لتجنب دفع كلفة أكبر في المستقبل.

ومع دخول الحرب شهرها السابع، تتشكل أمام صناع القرار صورة شديدة التعقيد: فمن جهة، تتآكل القدرات الاقتصادية والعسكرية الإيرانية بوتيرة غير مسبوقة، ومن جهة أخرى، يثبت النظام في طهران مرة جديدة قدرته على إدارة الأزمات وتحويل الضغوط المفروضة عليه إلى أدوات للضغط على خصومه.

وتدرك الإدارة الأميركية، وفق قراءة ماكغورك، أنها أمام ثلاثة خيارات صعبة، فيما تدرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفق تحليلات أشكنازي وكوهين، أن الإنجاز العسكري لا يكفي وحده لإنهاء الحرب أو إنتاج واقع سياسي جديد.

وبذلك يتحول الصراع تدريجياً إلى سباق أعصاب وإرادات، يكون فيه عامل الوقت جزءاً من المعركة ذاتها، فالسؤال لم يعد فقط: من يستطيع توجيه الضربة الأقوى؟، بل: من يستطيع تحمل الثمن الأكبر، والمحافظة على تماسكه السياسي والاقتصادي والعسكري، وانتظار اللحظة التي يبدأ فيها خصمه بالتراجع؟.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع استراتيجية تقوم على «إدارة الصراع» بدلاً من «حسمه» الصمود أمام خصم يراهن على أن الوقت يعمل لمصلحته، أم أن استمرار الحرب سيحوّل الصبر الاستراتيجي نفسه إلى أكبر اختبار للقيادتين الأميركية والإسرائيلية؟.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }