كتاب

بيوت جميلة.. وحياة مُثقلة بالمظاهر

في السنوات الأخيرة، تبدلت علاقتنا بالبيت على نحو لافت، فلم يعد المنزل بالنسبة إلى الكثيرين مجرد مكان نعود إليه بعد يوم طويل، أو مساحة تجتمع فيها الأسرة، أو ملاذاً نشعر فيه بالأمان والخصوصية، بل أصبح في بعض الأحيان جزءاً من الصورة التي نرغب في تقديمها للآخرين عن حياتنا ومستوانا المعيشي والاجتماعي.
ومع اتساع حضور وسائل التواصل الاجتماعي، باتت تفاصيل المنزل نفسها قابلة للعرض والتقييم والمقارنة، من غرفة المعيشة إلى طاولة الطعام، ومن الإضاءة إلى لون الجدران، وحتى غرف النوم والزاوية التي تلتقط فيها الصورة.
المشهد قد يبدو بسيطاً في ظاهره، مثل شخص يشاهد ديكورا أعجبه في منزل أحدهم، فيقرر أن يقتني مثله، ثم يكتشف أن الموضة تغيرت وأن هناك ما هو أحدث وأكثر فخامة، فيبدأ من جديد، وبين صورة وأخرى، تتشكل معايير اجتماعية غير معلنة لما ينبغي أن يكون عليه المنزل 'الجميل'، إذ إنه مع الوقت يتحول الأمر لدى بعضهم من رغبة في تحسين المسكن إلى محاولة للحاق بصورة مثالية لا تتوقف عن التغير.
والمفارقة أن هذه الرغبة قد تتجاوز أحياناً القدرة المالية للأسرة، حيث أن هناك من يؤجل احتياجات أساسية، أو يتحمل التزامات مالية، وربما يلجأ إلى الاقتراض من البنك من أجل أثاث أو ديكور لا يمثل ضرورة حقيقية، وإنما استجابة لضغط المقارنة ورغبة في الظهور أمام الآخرين بالمستوى نفسه الذي يرونه على شاشاتهم.
وهنا لا تكمن المشكلة في الديكور ذاته، فمن حق الإنسان أن يعيش في منزل جميل ومرتب، وأن يختار الأثاث الذي يناسب ذوقه، وأن يعتني بمساحته الخاصة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المظهر غاية بحد ذاته، وعندما نقيس نجاح الأسرة بما تعرضه من تفاصيل منزلية بدلاً من أن نقيسه بما تعيشه من استقرار وراحة ومودة.
ولعل العودة إلى صورة البيوت القديمة تمنحنا فرصة للتأمل، فقد كانت البيوت، رغم بساطة أثاثها ومحدودية إمكاناتها، تحمل معنى مختلفاً، حيث لم تكن قيمة المنزل مرتبطة بسعر الأثاث، ولا بعدد القطع الموجودة فيه، ولا بمدى صلاحيته للتصوير، بل كان البيت يعرف بأهله، وبما يجري خلف أبوابه من حياة، وكانت رائحة القهوة، وصوت الأحاديث، ولقاءات الأقارب، ووجود الوالدين والأبناء حول مائدة واحدة، تفاصيل تمنح المكان قيمته الحقيقية.
لم يكن البيت قديماً فخماً، لكنه كان دافئاً، وربما لم يكن يحتوي على أحدث الأثاث، لكنه كان يحتفظ بذكريات أهله، وكانت قطعة الأثاث القديمة قد تبقى سنوات طويلة لأنها تحمل قصة، لا لأنها تواكب الموضة.
أما اليوم، فقد نكون أمام مفارقة تستحق التوقف: بيوت أكثر أناقة في الصور، وحياة أكثر ضغطاً خلف الأبواب، وقد يكون من المفيد أن نسأل أنفسنا قبل أن ننفق ما لا نستطيع تحمله: هل نجهز بيوتنا لنعيش فيها، أم لنثبت للآخرين أننا نعيش بصورة أفضل؟
ليس المطلوب أن نعود إلى الماضي أو أن نرفض التطور والجمال، المطلوب هنا فقط أن نستعيد التوازن، وأن نتذكر أن قيمة المنزل لا تُقاس بما يظهر في الصورة، وإنما بما يشعر به الإنسان عندما يعود إليه.
وفي النهاية البيوت ليست فقط جدرانا وديكورات وأثاثا جديدا، بل علاقة وذاكرة وأمان، وربما أجمل البيوت ليست تلك التي تستوقف الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تلك التي إذا أُغلقت أبوابها بقيت فيها الحياة.