عشرون عاما مضت على تأسيس مركز الملك عبدالله الثاني للتميز، تحولت خلالها فكرة التميز المؤسسي في الأردن من مفهوم إداري إلى نهج وطني يستهدف الارتقاء بالأداء، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الابتكار والتنافسية، وصولاً إلى بناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة لمتطلبات التنمية واحتياجات المواطن.
وفي هذه المسيرة، شكّلت جوائز الملك عبدالله الثاني للتميز إحدى أبرز الأدوات الوطنية لتحفيز المؤسسات والأفراد على تبني أفضل الممارسات وتطوير الأداء بصورة مستدامة، فيما واصل المركز تطوير نماذج التقييم والجوائز وبرامج بناء القدرات بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها الأردن ومسارات التحديث الإداري والاقتصادي.
البداية.. جائزة للارتقاء بالأداء الحكومي
تعود جذور التجربة إلى عام 2002، عندما صدرت الإرادة الملكية السامية بإنشاء جائزة الملك عبدالله الثاني لتميز الأداء الحكومي والشفافية، بهدف تحسين وتطوير أداء الوزارات والمؤسسات الحكومية، ونشر الوعي بمفاهيم إدارة الأداء المتميز والشفافية، وإبراز الجهود المؤسسية المتميزة في تطوير الأنظمة والخدمات.
وكانت الجائزة منذ انطلاقتها بمثابة إطار وطني لتجذير ثقافة التميز في القطاع العام، باعتبارها أرفع جائزة للتميز في هذا القطاع على المستوى الوطني.
وبعد نحو أربعة أعوام، تأسس مركز الملك عبدالله الثاني للتميز عام 2006 بإرادة ملكية سامية ليتولى إدارة الجائزة، وليتوسع دوره تدريجياً ليصبح مرجعية وطنية في مجال التميز المؤسسي، وليس فقط جهة تمنح الجوائز.
ويهدف المركز إلى نشر وتنمية ثقافة التميز والابتكار في القطاعين العام والخاص، وجمعيات الأعمال والمؤسسات غير الربحية، بما يسهم في تعزيز تنافسية الأردن، فيما تتمثل غايته في تحقيق أداء وطني متميز ومستدام يعزز جودة حياة المواطن.
من جائزة إلى منظومة وطنية للتميز
على امتداد السنوات العشرين، تطورت أعمال المركز بالتوازي مع تطور مفهوم الأداء المؤسسي نفسه؛ فلم يعد التميز مرتبطاً فقط بتحقيق نتائج جيدة، وإنما أصبح مفهوماً أكثر شمولاً يقوم على القيادة الفاعلة، وإدارة الموارد، وتطوير العمليات، والاستفادة من المعرفة، وقياس النتائج، والابتكار، وتحسين تجربة متلقي الخدمة.
وشهدت معايير جائزة التميز الحكومية تعديلات متتالية منذ الدورة الأولى، وصولاً إلى اعتماد نموذج المؤسسة الأوروبية لإدارة الجودة EFQM مع إجراء تعديلات تتناسب مع بيئة العمل الحكومي في الأردن.
هذا التطور عكس إدراكاً بأن المؤسسات الناجحة ليست تلك التي تحقق نتائج آنية فقط، وإنما التي تمتلك القدرة على التعلم والتطوير والاستجابة للمتغيرات والاستمرار في تحقيق نتائج مستدامة.
كما توسعت منظومة الجوائز لتشمل قطاعات أخرى؛ ففي أيار 2006 أطلق المركز جائزة خاصة بجمعيات الأعمال والمؤسسات غير الربحية، وتدرجت في مستوياتها من علامة 'أفضل الممارسات' إلى 'ختم التميز' ثم جائزة الملك عبدالله الثاني للتميز، باعتبارها أعلى مستوى من التقدير لجمعيات الأعمال على المستوى الوطني.
التميز في مواجهة متطلبات المرحلة
ومع التحولات المتسارعة في الاقتصاد والتكنولوجيا والإدارة العامة، اتسع مفهوم التميز ليشمل الابتكار المؤسسي والتحول الرقمي والاستدامة، إلى جانب التركيز على الأثر الفعلي للخدمات والبرامج على حياة المواطنين.
وتبرز في هذا السياق رؤية مركز الملك عبدالله الثاني للتميز باعتباره المحفز الرئيسي للتميز والابتكار وتعزيز الأداء المستدام، للوصول إلى أردن أكثر تنافسية عالمياً، فيما تقوم رسالته على نشر ثقافة التميز والابتكار من خلال تطوير نماذج مبنية على أفضل الممارسات العالمية وتمكين القدرات والمهارات المتخصصة.
ولم يعد عمل المركز مقتصراً على إدارة الجوائز، إذ يقدم اليوم مجموعة من خدمات التقييم وبناء القدرات والبرامج التدريبية، إلى جانب تقييمات النضج المؤسسي والابتكار والاعتراف بالتميز، بما يتيح للمؤسسات أدوات عملية تساعدها في تحديد نقاط القوة وفرص التحسين.
20 عاماً .. والمرحلة المقبلة
وأمس الأول، رعى جلالة الملك عبدالله الثاني فعالية بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيس المركز، وشهدت الفعالية إطلاق الدورة المقبلة من جوائز المركز للأعوام 2026–2028، في محطة تعكس انتقال المركز إلى مرحلة جديدة من مسيرته الوطنية.
وخلال الفعالية، كرّم جلالة الملك عدداً من الشخصيات تقديراً لإسهاماتهم في مسيرة المركز ودورهم في تطوير أعماله، كما أنعم جلالته بوسام الملك عبدالله الثاني للتميز من الدرجة الأولى على سمو الأمير فيصل بن الحسين، رئيس مجلس أمناء المركز.
وتحمل الدورة الجديدة من جوائز المركز دلالة خاصة، كونها تأتي في الذكرى العشرين للتأسيس، وفي وقت تتجه فيه المؤسسات الأردنية نحو مزيد من التحديث والرقمنة ورفع الكفاءة وتعزيز جودة الخدمات.
كما أطلق المركز استراتيجيته للأعوام 2026–2028، التي تركز على نشر ثقافة التميز والابتكار، وتطوير برامج التقييم والتدريب، وتعزيز الاستدامة المؤسسية، مع توجه واضح للانتقال من التركيز على الإجراءات إلى التركيز على الأثر والنتائج، وربط التميز بتحسين جودة الخدمات وتجربة المتعامل وجودة حياة المواطن.
من التكريم إلى صناعة التغيير
بعد عقدين من العمل، باتت جائزة الملك عبدالله الثاني للتميز أكثر من منصة لتكريم المؤسسات والأفراد؛ إذ أصبحت جزءاً من منظومة تستهدف إحداث تغيير مستدام في طريقة إدارة المؤسسات وقياس أدائها وتطوير خدماتها.
فالفوز بالجائزة لا يمثل نهاية رحلة التميز، بل يمكن أن يكون محطة ضمن مسار مستمر من المراجعة والتطوير والتحسين. كما أن المشاركة في منظومة التقييم نفسها تمنح المؤسسات فرصة للتعرف إلى نقاط قوتها ومواطن التحسين لديها، والاستفادة من الممارسات الناجحة.
وتكتسب هذه الفلسفة أهمية خاصة في ظل المرحلة التي يمر بها الأردن، والتي تتطلب مؤسسات قادرة على التعامل مع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، والاستفادة من الابتكار والتحول الرقمي، وتحويل الموارد المتاحة إلى نتائج ملموسة يشعر المواطن بأثرها.
عقدان من الإنجاز .. وطموح للمستقبل
وبين تأسيس الجائزة عام 2002 وتأسيس المركز عام 2006، ثم احتفاله اليوم بمرور عقدين على تأسيسه، تبرز مسيرة وطنية بدأت من تحسين أداء القطاع العام، قبل أن تتوسع لتشمل قطاعات ومؤسسات مختلفة، وتتحول إلى منظومة متكاملة لنشر ثقافة التميز والابتكار.
وتشير المرحلة المقبلة إلى أن التحدي لم يعد في ترسيخ مفهوم التميز فحسب، وإنما في تحويله إلى نتائج وأثر مستدام ينعكس على المؤسسات والاقتصاد والمجتمع وجودة حياة المواطن.
وبذلك، فإن عشرين عاماً من عمر المركز لا تمثل مجرد محطة للاحتفال، وإنما مناسبة لمراجعة تجربة وطنية راكمت المعرفة والخبرة، ووضعت التميز المؤسسي ضمن أولويات تطوير الأداء في الأردن، فيما تفتح استراتيجية 2026–2028 الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: مؤسسات أكثر كفاءة، وخدمات أكثر جودة، وابتكار أكثر تأثيراً، وأردن أكثر تنافسية.
مركز الملك عبدالله الثاني للتميز .. مسيرة وطنية لترسيخ ثقافة الأداء المؤسسي
03:41 8-9-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء