أكد خبراء اقتصاديون أن مذكرة التفاهم بين وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة وشركة «هيوماين» السعودية تمثل فرصة اقتصادية تتجاوز البعد التقني، وأن الأهمية الحقيقية لهذه الشراكة ستكون في قدرتها على التحول إلى استثمارات ومشاريع وعقود للشركات الأردنية وفرص عمل ذات قيمة مضافة مرتفعة.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أن أهمية الاتفاقية تبدأ من حجم الشريك؛ فـ«هيوماين» مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وتعمل عبر سلسلة الذكاء الاصطناعي من مراكز البيانات والحوسبة إلى النماذج والتطبيقات، وترتبط بشراكات مع شركات عالمية كبرى مثل إنفيديا ومايكروسوفت وAMD وAWS وغوغل كلاود وكوالكوم، ما يفتح أمام الأردن فرصة للوصول إلى منظومة تكنولوجية واستثمارية أوسع من حدود التعاون مع شركة واحدة.
وأبرمت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة الأردنية وشركة «هيوماين» السعودية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، أمس الأحد، مذكرة تفاهم استراتيجية لتعزيز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطوير القدرات والنماذج العربية، ودعم المواهب والشركات الناشئة والبنية التحتية التكنولوجية في الأردن.
ووقع عن الجانب الأردني نائب رئيس المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، وزير الاقتصاد الرقمي والريادة سامي سميرات، وعن الشركة الرئيس التنفيذي طارق أمين، وذلك على هامش فعاليات مؤتمر LEAP 2026 المنعقد في العاصمة السعودية الرياض.
وتأتي المذكرة في إطار جهود المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل لتعزيز التعاون مع الشركات، بما يسهم في تعزيز قدرات المملكة في مجال تكنولوجيا المستقبل والذكاء الاصطناعي، وتبادل الخبرات.
وتتضمن المذكرة خمسة مسارات رئيسية للتعاون، تشمل تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي العربية، وتسريع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي، ودعم نمو الشركات الناشئة، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي، وتطوير المواهب والكفاءات الأردنية، وتعزيز التعاون في مجال البنية التحتية والحوسبة المتخصصة للذكاء الاصطناعي.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن الاتفاقية والتعاون الأردني السعودي ينقلان العلاقات الاقتصادية والاستثمارية وغيرها من مجرد تعاون في الذكاء الاصطناعي إلى شراكة اقتصادية جديدة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا، وتوفر للأردن صادرات عالية القيمة وفرص عمل نوعية واستقطاب استثمارات جديدة.
ولفت عايش إلى أن هذه الاتفاقية تفتح أمام الأردن فرصة حقيقية لتعميق التعاون الاقتصادي والتكنولوجي الأردني السعودي في أهم القطاعات الاقتصادية المستقبلية، وهو الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن القيمة بالنسبة للأردن لا تكمن فقط في الحصول على تقنيات أو خدمات جديدة، وإنما في أن يصبح الأردن شريكاً في منظومة الذكاء الاصطناعي السعودية والعربية، حيث إن السعودية تمتلك رأس المال ولديها سوق كبير والقدرة على الاستثمار في الحوسبة، بينما يمتلك الأردن الكفاءات والخبرات في رأس المال البشري.
وبيّن عايش أن هذه الاتفاقية خطوة مهمة، وقيمتها الحقيقية لا تقاس بتوقيع مذكرة التفاهم، وإنما فيما ستنتجه من مشاريع واستثمارات ووظائف تعود على الأردن.
وأضاف أن العائد على الأردن يأتي في أربعة مسارات: نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتدريب الكفاءات الأردنية، ودعم الشركات الناشئة، وجذب الاستثمارات وبنية تحتية متخصصة في الذكاء الاصطناعي.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن مذكرة التفاهم بين وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة وشركة «هيوماين» السعودية تمثل فرصة اقتصادية تتجاوز البعد التقني، وأن الأهمية الحقيقية لهذه الشراكة ستكون في قدرتها على التحول إلى استثمارات ومشاريع وعقود للشركات الأردنية وفرص عمل ذات قيمة مضافة مرتفعة، بما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة جديدة لرفع الإنتاجية والنمو وزيادة صادرات المملكة من الخدمات والمعرفة.
وأوضح الحدب أن أهمية الاتفاقية تبدأ من حجم الشريك؛ فـ«هيوماين» مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وتعمل عبر سلسلة الذكاء الاصطناعي من مراكز البيانات والحوسبة إلى النماذج والتطبيقات، وترتبط بشراكات مع شركات عالمية كبرى مثل إنفيديا ومايكروسوفت وAMD وAWS وغوغل كلاود وكوالكوم، ما يفتح أمام الأردن فرصة للوصول إلى منظومة تكنولوجية واستثمارية أوسع من حدود التعاون مع شركة واحدة.
وأشار الحدب إلى أن حجم السوق المحيط بهذه الصناعة يعكس الفرصة الاقتصادية التي تتشكل في المنطقة؛ إذ تشير فرص استثمارية منشورة لدى صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى طلب تراكمي متوقع بنحو 8.8 مليار دولار على معدات تبريد مراكز البيانات، ونحو 5.9 مليارات دولار على معدات الطاقة الخاصة بها خلال الفترة 2026–2030، بالتزامن مع توقع وصول سعة مراكز البيانات في السعودية إلى نحو 3 غيغاواط بحلول 2030، وهو ما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح منظومة استثمارية وصناعية وخدمية متكاملة، وليس قطاع برمجيات فقط.
وبيّن الحدب أن السؤال الاقتصادي الأهم بالنسبة للأردن هو: ما الحصة التي يستطيع الاقتصاد الأردني الحصول عليها من هذه المنظومة؟ فالأردن ليس مطالباً بمنافسة الاقتصادات الأكبر في حجم الإنفاق على مراكز البيانات والحوسبة، وإنما بتحديد موقعه التنافسي داخل سلسلة القيمة، خصوصاً في تطوير البرمجيات والتطبيقات والنماذج العربية وهندسة البيانات والأمن السيبراني والحلول المالية والصحية والتعليمية.
وأضاف أن هذه الشراكة تمنح الأردن فرصة لتحويل رأس المال البشري إلى أصل اقتصادي تصديري؛ فالمهندس الأردني الذي يطور من عمّان أو إربد حلاً يباع في السعودية أو الخليج يخلق قيمة مضافة داخل المملكة، ويوفر دخلاً وفرصة عمل، وفي الوقت نفسه يولد صادرات وعملة أجنبية دون كلف المواد الخام والشحن المرتبطة بالكثير من الصادرات التقليدية.
وأكد الحدب أن هذا البعد مهم في ظل بقاء معدل البطالة بين الأردنيين عند نحو 21%، لأن معالجة البطالة على المدى الطويل لا تتطلب زيادة عدد الوظائف فقط، بل توسيع القطاعات القادرة على خلق وظائف مرتفعة الإنتاجية والأجور، خصوصاً للشباب وخريجي الجامعات. كما أن الوظائف الناتجة عن هذه الصناعة لا تقتصر على المبرمجين، وإنما تمتد إلى تحليل البيانات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية والتصميم والاستشارات وإدارة المشاريع وغيرها من الخدمات المساندة.
وأشار الحدب إلى أن الخطوة العملية التالية يجب أن تكون استقطاب جزء من أنشطة «هيوماين» ومنظومة شركائها إلى المملكة، سواء من خلال مركز إقليمي للتطوير أو مختبر للذكاء الاصطناعي العربي أو فرق هندسية تعمل من الأردن على منتجات موجهة للأسواق الإقليمية. فوجود مركز يعمل فيه مهندسون أردنيون ويصدر خدماته إلى الخارج يعني أن الوظائف والأجور والخبرة المتراكمة تبقى داخل الاقتصاد الأردني، بينما تأتي الإيرادات من الأسواق الخارجية.
وأضاف أن المسار الثاني يجب أن يركز على الشركات الأردنية، لأن الشركة الناشئة لا تحتاج إلى التدريب والتمويل فقط، بل تحتاج إلى عميل وسوق وعقد. وهنا يمكن لـ«هيوماين» أن تكون بوابة تربط الشركات الأردنية بالمشاريع والسوق السعودية، وتوفر لها الوصول إلى قدرات حاسوبية متقدمة، بما يساعدها على الانتقال من العمل في سوق محلية محدودة إلى تصدير حلولها إقليمياً.
وأوضح الحدب أن هذا النموذج يمكن أن يضيف مصدراً جديداً للنمو الاقتصادي؛ فكل عقد تحصل عليه شركة أردنية من الخارج يعني صادرات إضافية ودخولاً للعملات الأجنبية وتشغيلاً محلياً، وكل شركة عالمية تستقطب مركز تطوير إلى الأردن تعني استثماراً أجنبياً ووظائف جديدة ونقلاً للمعرفة. وبالتالي، فإن القيمة الاقتصادية للشراكة يجب أن تقاس بقدرتها على تحريك الاستثمار والصادرات والتشغيل والإنتاجية معاً.
ولفت الحدب إلى أن رفع الإنتاجية ربما يكون الأثر الاقتصادي الأوسع للذكاء الاصطناعي، لأن الاستفادة منه لا ينبغي أن تقتصر على الشركات التكنولوجية. فإذا ساعد مصنعاً أردنياً على خفض الهدر، أو شركة لوجستية على تقليل زمن النقل، أو بنكاً على خفض كلفة العمليات، أو شركة سياحية على الوصول إلى أسواق جديدة، فإن أثره ينتقل إلى قطاعات الاقتصاد التقليدية ويرفع قدرتها على النمو والمنافسة.
وأشار إلى أن التعاون في تطوير نماذج عربية مثل «علّام» يجب أن ينتهي أيضاً إلى منتجات تجارية قابلة للتصدير. فالمعيار الاقتصادي ليس فقط مشاركة الكفاءات الأردنية في تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي، وإنما قدرتها على بناء تطبيقات في الخدمات المالية والصحة والتعليم والسياحة وغيرها، وامتلاك جزء من الملكية الفكرية لهذه الحلول وتسويقها في السوق العربية.
وأكد الحدب أن الشراكة تعكس كذلك فرصة لبناء نموذج جديد من التكامل الاقتصادي الأردني–السعودي يقوم على رأس المال والبنية الحاسوبية والسوق الكبيرة في السعودية، مقابل الكفاءة البشرية وقدرات التطوير والابتكار في الأردن، بما يسمح ببناء منتجات وخدمات مشتركة بدلاً من اقتصار العلاقة على الاستثمار أو التجارة بصورتها التقليدية.
واختتم الحدب بالتأكيد على أن مذكرة «هيوماين» يجب أن تكون بداية لمسار اقتصادي وليس إنجازاً بحد ذاته، وأن الفرصة أمام الأردن هي الحصول على حصة من النمو الكبير الذي تشهده صناعة الذكاء الاصطناعي إقليمياً، من خلال ربط الكفاءة الأردنية برأس المال والحوسبة والأسواق.
وقال الخبير الاقتصادي منير دية إنه بعد ما حققه الأردن في مجال تكنولوجيا المعلومات والتقدم العلمي والتقني في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، كان لا بد من دخول الأردن في مجالات تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطوير المهارات الأردنية والاستثمار فيها، والدخول في شراكات إقليمية لتعزيز مكانة الأردن في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وفتح آفاق للشركات المحلية والأجنبية لتوسيع استثماراتها والاستفادة من الخبرات الأردنية الواعدة في هذه القطاعات.
ولفت إلى أن توقيع وزارة الاقتصاد الرقمي وشركة «هيوماين» السعودية على مذكرة تفاهم لتعزيز منظومة الذكاء الاصطناعي جاء تماشياً مع توجيهات سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، والذي حرص دوماً، من خلال ترؤسه لاجتماعات المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، على تطوير قدرات الشباب الأردني في هذه المجالات، والسعي دوماً لتحقيق المزيد من الإنجازات في قطاع تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
وذكر أن الأردن حقق نجاحات كبيرة في الخدمات الرقمية والحكومة الإلكترونية، والتي أصبحت 80% من خدماتها رقمية، وحقق تطبيق «سند» مستويات متقدمة عالمياً ليصبح ضمن أفضل 14 تطبيقاً على مستوى العالم في تقديم الخدمات الحكومية الإلكترونية، كما ساهم اهتمام الأردن بالتعليم وتطوير المناهج وخلق تخصصات جديدة تواكب التطور التكنولوجي والعلمي والمهارات التقنية الحديثة في إحداث نقلة نوعية في التعليم العالي، مما ساهم بشكل كبير في تعزيز قدرات الطلاب وتأهيلهم لسوق العمل وبما يواكب التطورات التكنولوجية الحديثة.
وأضاف أن محاور المذكرة الخمسة الرئيسية، والتي تركز على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وتسريع استخداماته في القطاع الحكومي، ودعم نمو الشركات الناشئة، وتعزيز الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي، وتطوير المواهب والكفاءات الوطنية، وتعزيز التعاون في البنية التحتية الرقمية والحوسبة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، سيكون لها الأثر الكبير في دعم تطور الأردن في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وستعزز من مكانة الأردن في المنطقة والعالم ليكون مركزاً إقليمياً للتكنولوجيا المتقدمة. وهذا سينعكس على مؤشرات الاقتصاد الكلي من ارتفاع معدلات النمو، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، وخفض أرقام البطالة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وزيادة قيمة الصادرات، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.