في مشهد متقلب تحكمه التصريحات المتناقضة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تواصل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران مساراً غامضاً، وسط مؤشرات متزايدة على تحولها إلى حرب استنزاف طويلة، خلافاً للمواجهة الحاسمة التي روّج لها البيت الأبيض في بدايتها.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الحرب، التي بدأت بهجمات أمريكية وإسرائيلية استهدفت منشآت نووية وصاروخية إيرانية، لم تحقق حتى الآن أهدافها المعلنة، سواء لجهة إسقاط النظام في طهران أو تفكيك قدراته العسكرية.
ووفق تقديرات إسرائيلية، لم تنهر إيران تحت وطأة الضربات، بل تمكنت من إعادة تنظيم صفوفها والحفاظ على تماسك مؤسساتها، بما يعكس قدرة النظام على الصمود والاستمرار في المواجهة.
وفي واشنطن، بدا الارتباك واضحاً في التصريحات المتباينة لترامب، الذي تنقل بين الحديث عن قرب «انتهاء الحرب بشكل كامل» وبين التهديد بتوجيه ضربات جديدة «شديدة» وإعادة إيران «إلى العصر الحجري».
ووفق صحيفة «واشنطن بوست»، طرحت إدارة ترامب جداول زمنية متناقضة لإنهاء الحرب، تراوحت بين «ثلاثة أيام» و«أسابيع»، وهو ما وصفه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق ليون بانيتا بأنه أسلوب «فريد من نوعه» وغير مسبوق لمسؤول في هذا المستوى.
ويعتقد محللون أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها أمام مأزق استراتيجي متزايد، بعدما أخفقت في تحقيق تغيير جذري في إيران، بالتزامن مع التداعيات الاقتصادية الواسعة للحرب وارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة التجارة العالمية.
وقال إدوارد فيشمان، الخبير في الحروب الاقتصادية، في مقابلة مع موقع «هاندلزبلات» الألماني، إن الإدارة الأمريكية دخلت في «مأزق غير قابل للحل» نتيجة سوء تقدير تداعيات إغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أنه «لا يوجد مخرج سريع» للصراع.
وفي إسرائيل، تتزايد المخاوف من أن تنتهي الحرب باتفاق لا يلبي المطالب الإسرائيلية.
وعبّرت أوساط سياسية وأكاديمية عن استياء متنامٍ من إدارة ترامب للملف، متهمة إياه بالمزاجية وتقديم الحسابات السياسية الداخلية على المصالح الإسرائيلية.
وفي مقال نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم»، حذّر البروفيسور إيال زيسر، نائب رئيس جامعة تل أبيب، من تراجع المكانة الإسرائيلية في حسابات الإدارة الأمريكية، واعتبر أن إسرائيل أصبحت أقرب إلى «كيس ملاكمة» يستخدمه ترامب وفقاً لحساباته السياسية الداخلية.
ويقدم زيسر قراءة نقدية لعقلية ترامب ومسار المفاوضات مع إيران، معتبراً أن الرئيس الأمريكي، بحكم خلفيته كرجل أعمال، يميل إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والحصار أكثر من الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة، بهدف إجبار طهران على تقديم تنازلات، لكنه يرى أن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أن الإيرانيين، في حال وصولهم إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي، قد لا يرون أمامهم الكثير ليخسروه، ما يجعل خيار الاستسلام الاقتصادي أكثر كلفة بالنسبة إليهم من استئناف القتال.
ويحذّر زيسر كذلك من أن التقديرات الإسرائيلية والأمريكية التي تفترض أن الوضع «تحت السيطرة» قد تكون مضللة، مشيراً إلى احتمال أن تلجأ إيران إلى ضرب القواعد والمصالح الأمريكية على نطاق أوسع إذا شعرت بأن ظهرها أصبح إلى الحائط اقتصادياً، أو إذا خلصت إلى أن ترامب لن يتمكن من الصمود أمام الضغوط السياسية والعسكرية.
وفي توصيف لافت لموقف الرئيس الأمريكي، قال زيسر: «ترامب هو أوباما ×10، وهو ذاهب لتوقيع اتفاق مع الإيرانيين أسوأ من ذاك الذي أبرمه أوباما في العقد الماضي».
وفي حديث لإذاعة «103FM» الإسرائيلية، أضاف أن الإيرانيين «يشمون رائحة ضعفه ورغبته في إنهاء الحرب».
بدوره، قال المحلل السياسي في «إسرائيل اليوم» إيتمار آيخنر، إن إسرائيل لم تكن ترغب في هذا الاتفاق، ولا تزال تأمل في انهيار المحادثات.
كما كشفت مصادر لشبكة «سي إن إن» أن تل أبيب تعتبر أي اتفاق مرتقب «سيئاً» إذا أبقى على جزء من البرنامج النووي الإيراني، ولم يتناول بصورة كافية ملف الصواريخ الباليستية ودعم إيران لحلفائها في المنطقة.
وتشير مجمل هذه التطورات إلى أن نهاية الصراع لا تبدو قريبة، وأن الحرب باتت أقرب إلى استنزاف متبادل منها إلى مواجهة تنتهي بانتصار واضح لأحد الطرفين، فعلى الرغم من الضربات التي تعرضت لها إيران، لا تزال طهران تحتفظ بأوراق ضغط مؤثرة، أبرزها قدرتها على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز، بما ينعكس مباشرة على أمن الخليج وأسواق الطاقة العالمية.
ويزيد اقتراب انتخابات منتصف الولاية الأمريكية من الضغوط على ترامب، الذي قد يسعى إلى تقديم أي اتفاق مع إيران، حتى وإن كان هشاً أو محدوداً، باعتباره انتصاراً دبلوماسياً يبرر الحرب ويعزز صورته السياسية، غير أن هذا الهدف قد يضعف موقفه التفاوضي، ويدفع إيران إلى إطالة أمد المفاوضات والمماطلة سعياً للحصول على شروط أفضل.
وفي الوقت ذاته، تكشف التطورات داخل الإدارة الأمريكية عن تباينات متزايدة بشأن كيفية التعامل مع الحرب، بين تيار يدفع نحو تصعيد الضغط العسكري وتيار آخر يرى أن الحل الدبلوماسي أصبح أكثر واقعية وأقل كلفة على المصالح الأمريكية.
وفي مؤشر لافت على حجم القلق داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن قيام وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» بسحب عقود من الوثائق السرية المرتبطة بسجل أوامر وزير الحرب من شبكة «SIPRNet» الداخلية، وهي وثائق تتضمن معلومات عن مواقع السفن الحربية وتوافرها، وانتشار الوحدات العسكرية، وأنظمة الأسلحة.
وجاءت هذه الخطوة بعد تقرير كشف عن اعتراض عدد من كبار القادة العسكريين على إطالة أمد العمليات ضد إيران، محذرين من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية وإضعاف جاهزية القوات لمواجهة تهديدات أخرى في مناطق مختلفة من العالم.
ووفق مصادر مطلعة على النقاشات داخل المؤسسة العسكرية، سجّل عدد من كبار القادة تحفظاتهم عبر آلية «عدم الموافقة» (Non-concurrence)، ومن بينهم الجنرال أليكسوس غرينكويتش، قائد القيادة الأوروبية، والجنرال فرانسيس دونوفان، قائد القيادة الجنوبية، والأدميرال صموئيل بابارو، قائد قيادة المحيط الهادئ، والأدميرال داريل كودل، رئيس العمليات البحرية.
ولا تعني هذه الآلية رفض تنفيذ الأوامر العسكرية، لكنها تتيح لكبار القادة تسجيل اعتراضاتهم وتحفظاتهم رسمياً على القرارات المتخذة، غير أن بروز هذه التحفظات في خضم حرب مفتوحة مع إيران يعكس، وفق هذه المعطيات، حجم القلق داخل المؤسسة العسكرية من تداعيات استمرار العمليات على القدرات الأمريكية والتزامات واشنطن الاستراتيجية في مناطق أخرى.
وبذلك، تبدو إدارة ترامب أمام معادلة شديدة التعقيد: حرب لم تحسمها الضربات العسكرية، وضغوط اقتصادية عالمية متزايدة، وإيران لا تزال تمتلك أوراقاً مؤثرة، في مقابل رغبة إسرائيلية في تجنب اتفاق لا يقضي بصورة شاملة على البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين وشبكة حلفائها الإقليمية.
ومع استمرار التناقض في المواقف الأمريكية، وتزايد التباين بين الحسابات السياسية في البيت الأبيض والتقديرات العسكرية، يبقى أفق إنهاء الحرب مفتوحاً على سيناريوهات متعددة؛ من تسوية دبلوماسية هشة يسوقها ترامب باعتبارها انتصاراً، إلى جولة جديدة من التصعيد، أو حرب استنزاف طويلة تستنزف الطرفين وتزيد كلفتها على المنطقة والاقتصاد العالمي.