الدين العام.. المطلوب استراتيجية بمعايير واضحة!

تاريخ النشر : السبت 11:35 5-9-2026
د. رعد محمود التل

آن الأوان أكثر من أي وقت مضى أن يكون هناك استراتيجية لإدارة الدين العام، تحدد مستهدفات حجم الدين وكلفته، وهيكل آجاله وعملاته، وطرق استخدامه بمعايير محددة ومواقيت مضبوطه! نقول ذلك حتى لا نبقى في مجال الاجتهاد الفردي أو التعاطي مع مسألة الدين العام بصورة ارتجالية في الاقتراض أو الإنفاق! مناسبة هذا الحديث هو المؤشرات الايجابية التي ظهرت في ملف التعامل مع كلف خدمة الدين خلال العامين السابقين حيث استطاعت الحكومة من "الحد" ولو جزئياً من التسارع المضطرد في ملف كلف الدين! هل ذلك يكفي؟ الجواب طبعاً لا.

الحكومة أصبحت تدفع فوائد بمعدل نمو أقل، خصوصا من خلال إعادة تمويل بعض الديون مرتفعة الكلفة. وهذا نجاح في إدارة الدين، لكنه لا يعني أن مشكلة الدين نفسها ستتوقف. ففوائد خدمة الدين ما زالت ترتفع لكن الزيادة أصبحت أقل. من هنا تأتي أهمية وضع استراتيجية لإدارة الدين العام تركز على حجم الدين ونسبته من الناتج، وتضمن استدامة الدين العام! وهي قدرة الحكومة على سداد التزامات ديونها وفوائدها بانتظام. لذلك، فإن السؤال ليس فقط ما هي عوامل تحديد استدامة الدين، وإنما كيف يمكن تحويل هذه العوامل إلى معايير واضحة نبني عليها استراتيجية لإدارة الدين العام، ونقيس من خلالها مدى الإنجاز المتحقق في هذا الملف؟

أولاً والأكثر أهمية، هو الفارق بين سعر الفائدة ومعدل النمو الاقتصادي. فإذا كان معدل الفائدة الحقيقي أعلى من معدل النمو الحقيقي، فإن هناك قوة تدفع نسبة الدين إلى الناتج نحو الارتفاع، خصوصًا عندما يكون حجم الدين عند بداية الفترة مرتفعًا. أما إذا كان النمو الاقتصادي أعلى من سعر الفائدة، فإن نمو الناتج يساعد على تخفيض نسبة الدين إلى الناتج حتى لو لم ينخفض حجم الدين الاسمي. وهنا تظهر أهمية النمو الاقتصادي في إدارة الدين. فالاقتصاد الذي ينمو بمعدل مرتفع يستطيع زيادة الناتج والإيرادات العامة، وبالتالي تحسين قدرته على خدمة الدين. ولذلك فإن تحقيق نمو اقتصادي لا يمثل هدفًا للنمو فقط، بل يمثل أيضًا أداة رئيسية لتعزيز استدامة المالية العامة.

ثانياً، العجز الأولي المتمثل بالفرق بين الإيرادات والنفقات الحكومية باستثناء مدفوعات الفوائد. فإذا سجلت الحكومة عجزًا أوليًا مستمرًا، فهذا يعني أنها تحتاج إلى الاقتراض حتى قبل احتساب فوائد الدين. ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى تراكم الدين وزيادة أعباء الفوائد، وقد يدخل الاقتصاد في حلقة من الاقتراض المتكرر. ولهذا فإن ضبط العجز الأولي يمثل عنصرًا أساسيًا في استدامة الدين. لكن تخفيض العجز لا يعني بالضرورة خفض الإنفاق بصورة "عشوائية". الأهم هو تحسين جودة المالية العامة، وزيادة كفاءة الإنفاق، وتوسيع القاعدة الإيرادية، والتمييز بين الإنفاق الذي يرفع النمو والإنفاق الذي لا يولد عائدًا اقتصاديًا.

ثالثاً، مستوى الدين الابتدائي. فكلما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج، أصبحت حساسية المالية العامة تجاه أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي أكبر. فإذا كانت الدولة تحمل دينًا يعادل 100% من الناتج مثلًا، فإن تغيرًا بسيطًا في سعر الفائدة أو معدل النمو يمكن أن يكون له أثر كبير على مسار الدين. وهنا يجب التمييز بين حجم الدين ونسبة الدين إلى الناتج. فقد يرتفع الدين من الناحية الاسمية، لكن نسبة الدين إلى الناتج قد تنخفض إذا كان نمو الناتج أسرع من نمو الدين.

رابعاً، تكلفة الاقتراض. إن ارتفاع أسعار الفائدة كما يعلم الجميع يؤدي إلى زيادة مدفوعات الفوائد، وبالتالي يرفع احتياجات التمويل الحكومية. وتزداد أهمية هذا العامل كلما ارتفع حجم الدين، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض ينعكس مباشرة على كلفة خدمة الدين وعلى قدرة الحكومة على ضبط العجز. لذلك فإن خفض تكلفة الاقتراض يمثل أحد الأهداف الأساسية في إدارة الدين العام.

خامساً، هيكل الدين ومخاطر إعادة التمويل. فليس كل دين متساويًا في درجة المخاطر، إذ يختلف الدين بالعملة المحلية عن الدين بالعملات الأجنبية، كما يختلف الدين طويل الأجل عن الدين قصير الأجل، وتختلف تكلفة الدين ذي سعر الفائدة الثابت عن الدين المرتبط بأسعار فائدة متغيرة. وكلما ارتفعت حصة الدين الخارجي أو قصير الأجل، ازدادت حساسية المالية العامة تجاه أسعار الصرف وأسعار الفائدة العالمية. لذلك فإن إطالة متوسط آجال الدين، وتوزيع الاستحقاقات على فترات زمنية أطول، وتنويع مصادر التمويل، وتقليل الاعتماد على الديون قصيرة الأجل، كلها عناصر أساسية لتقليل مخاطر الدين.

سادساً، قدرة الحكومة على تحقيق الإيرادات. فاستدامة الدين لا تعتمد على حجم الإنفاق فقط، وإنما على قدرة الدولة على توليد إيرادات مستقرة. الاقتصاد الذي يمتلك قاعدة إنتاجية واسعة وقاعدة ضريبية قوية يكون أكثر قدرة على خدمة الدين من اقتصاد يعتمد على مصادر إيراد محدودة أو متقلبة. كما أن جودة النمو الاقتصادي لا تقل أهمية عن معدل النمو نفسه. فإذا كان النمو يعتمد على قطاعات إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات والاستثمار والإيرادات، فإنه يساعد على تعزيز القدرة على سداده. أما إذا كان النمو ضعيفًا أو قائمًا بصورة كبيرة على الاستهلاك والاقتراض، فقد لا يكون كافيًا لتحسين قدرة الاقتصاد على خدمة الدين.

سابعاً، الاحتياطيات الأجنبية ومقدار قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية يمثلان عنصرًا مهمًا، خصوصًا بالنسبة للدين الخارجي. فالدولة التي تعتمد على الاستيراد وتمتلك التزامات خارجية كبيرة تحتاج إلى تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية لتمويل الواردات وخدمة الدين الخارجي. ولذلك فإن الصادرات والاستثمار الأجنبي وتحويلات العاملين والسياحة تصبح جميعها عناصر مرتبطة بصورة غير مباشرة بالدين العام.

استراتيجية الدين العام يجب أن تحدد ليس فقط كم تقترض الحكومة، وإنما كم تستطيع أن تقترض، وبأي تكلفة، ولأي أجل، وبأي عملة، وتحت أي مستوى من المخاطر، والأهم كيف سيُستخدم هذا الاقتراض وما العائد الاقتصادي المتوقع منه. إن سؤال: كم يبلغ الدين العام؟ لا شك أنه سؤال مهم، لكن أسئلة أخرى لا تقل أهمية: كم يكلف هذا الدين؟ وكم ينمو الاقتصاد؟ وما حجم العجز الأولي؟ وكيف يستخدم الاقتراض؟ وما قدرة الدولة على توليد الإيرادات؟ هذه الأسئلة يجب أن تكون في قلب النقاش حول المالية العامة، وأن تشكل محور أي استراتيجية لإدارة الدين العام.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }