كتاب

رفع تقارير المؤسسات الوطنية إلى الملك

تسلّم جلالة الملك عبدالله الثاني قبل أيام التقرير السنوي لكل من المركز الوطني لحقوق الإنسان وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وذلك في إطار الأحكام القانونية التي تنظم عمل هاتين المؤسستين، وما تفرضه من إعداد تقارير دورية تتضمن حصيلة أعمالهما وإنجازاتهما، وما رصدتاه من ملاحظات وتحديات، وما خلصتا إليه من توصيات ومقترحات في المجالات التي تدخل ضمن اختصاصاتهما.
وإذا كان تسليم هذه التقارير إلى جلالة الملك يمثل استحقاقا قانونيا دوريا، فإن لهذه الممارسة دلالات دستورية هامة تتجاوز مجرد تقديم وثيقة تتضمن أعمال المؤسسة خلال سنة كاملة، وترتبط بشكل رئيس بالمركز الدستوري للملك، وطبيعة هذه الهيئات الوطنية واستقلالها، وأهمية الاختصاصات التي تضطلع بها.
فالملك هو رأس الدولة بموجب المادة (30) من الدستور، وبهذه الصفة حرص المشرع الأردني على أن توضع أمام جلالته حصيلة أعمال عدد من المؤسسات والهيئات الوطنية المستقلة التي تمارس اختصاصات تتصل بسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات، وتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، وسلامة العملية الديمقراطية، بما يبقي رأس الدولة على اطلاع على واقع عمل هذه المؤسسات والتحديات التي تواجهها.
ولا يعني استلام جلالة الملك لهذه التقارير قيام علاقة تبعية أو رقابة رئاسية على المؤسسات التي تصدرها، أو انتقاصا من استقلالها في ممارسة اختصاصاتها واتخاذ قراراتها، بل إن هذه الصلة المباشرة برأس الدولة تؤكد مكانتها الوطنية وتعزز استقلالها عن الجهاز الإداري الحكومي، خاصة أن بعضها يتولى، بحكم اختصاصاته، الرقابة على أعمال وممارسات تصدر عن جهات في السلطة التنفيذية.
فالاستقلال المؤسسي للهيئات الوطنية لا يعني انفصالها عن الدولة أو انقطاع صلتها بسلطاتها الدستورية، وإنما يقصد به تمكينها من ممارسة اختصاصاتها والاضطلاع بمسؤولياتها واتخاذ قراراتها باستقلال، ودون تدخل أو تأثير من أي جهة أخرى.
وتبرز هنا دلالة دستورية أخرى تتصل بموقع الملك في السلطة التنفيذية؛ فالسلطة التنفيذية منوطة بالملك وفق المادة (26) من الدستور، وهو يمارس صلاحياته الدستورية بواسطة وزرائه وفق أحكام المادة (40). ومن هنا، فإن اطلاع الملك مباشرة على ما تواجهه هذه المؤسسات من تحديات وما تطرحه من توصيات يتيح له، في إطار صلاحياته الدستورية، توجيه رئيس الوزراء والوزراء إلى تقديم الدعم اللازم لها، ودراسة توصياتها، ومعالجة ما تكشف عنه تقاريرها من اختلالات، دون التدخل في أعمالها أو المساس باستقلالها.
ولا تقف هذه الدلالة عند المؤسستين المشار إليهما؛ فالمحكمة الدستورية، بوصفها هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها، تقر هيئتها العامة تقريرا سنويا عن سير العمل فيها وترفعه إلى جلالة الملك. وكذلك هو الحال بالنسبة للسلطة القضائية، إذ يقر المجلس القضائي تقريرا سنويا عن أوضاع المحاكم ومجريات العمل فيها، ليتم رفعه إلى جلالة الملك، ومن ثم إلى وزير العدل.
وتتأكد هذه الدلالة كذلك بالنسبة للهيئة المستقلة للانتخاب، التي ألزمها قانونها بأن يصدر مجلس مفوضيها تقريرا نهائيا تفصيليا عن كل عملية انتخابية بجميع مراحلها، ويرفعه إلى الملك. وتكمن أهمية هذا الإجراء في وضع مجريات العملية الانتخابية ومخرجاتها أمام رأس الدولة، باعتبارها من أبرز صور التعبير عن الإرادة الشعبية، وانطلاقا من المبدأ الدستوري بأن الأمة مصدر السلطات.
ولا ينفرد النظام الدستوري الأردني بهذا النهج؛ فقد تبنت أنظمة ملكية أخرى توجها مماثلا، ومن أبرزها المملكة المغربية، حيث يقضي الدستور المغربي برفع تقارير عدد من المؤسسات المستقلة إلى الملك، ومن بينها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الأعلى للحسابات. ويؤكد هذا النموذج المقارن أن الجمع بين استقلال المؤسسات ورفع تقاريرها إلى رأس الدولة لا ينطوي على تعارض، وإنما يعكس أهمية اختصاصاتها ومكانتها ضمن البناء الدستوري للدولة.
وفي ضوء ما تقدم، يبقى الأهم ألا ينتهي الاهتمام بهذه التقارير بمجرد تسليمها إلى الملك والجهات الدستورية الأخرى، كرئيس الوزراء ورئيسي مجلسي الأعيان والنواب؛ فقيمتها الحقيقية لا تكمن في مجرد إصدارها أو رفعها، وإنما في مقدار ما تحدثه توصياتها من أثر في التشريعات والسياسات والممارسات العامة، ومدى استجابة الجهات المختصة لما تكشف عنه من تحديات ومواطن خلل.
وعليه، فإن تسلّم جلالة الملك لهذه التقارير يجسد علاقة دستورية متوازنة بين رأس الدولة والمؤسسات الوطنية المستقلة؛ فلا يترتب عليه قيام علاقة تبعية أو مساس باستقلالها، وإنما يؤكد مكانتها في البناء المؤسسي للدولة، ويضع حصيلة أعمالها وتوصياتها أمام رأس الدولة، بما يعزز فرص متابعتها والاستجابة لها، ويسهم في ترسيخ سيادة القانون وتطوير أداء مؤسسات الدولة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com