أمَّ عشراتُ الآلافِ من المصلين صلاةَ الجمعةِ في المسجدِ الأقصى المبارك، رغمَ الإجراءاتِ والقيودِ الإسرائيليةِ المشددةِ التي فرضتها قواتُ الاحتلالِ في مدينةِ القدسِ ومحيطِ المسجدِ الأقصى.
وقالت دائرةُ الأوقافِ الإسلاميةِ في القدسِ المحتلةِ إن نحوَ (60) ألفَ مصلٍّ أدّوا صلاةَ الجمعةِ في رحابِ المسجدِ الأقصى المبارك، في مشهدٍ إيمانيٍّ مهيبٍ يعكسُ تمسكَ الفلسطينيينَ بهويتهم الإسلاميةِ ودينهم الحنيف.
من جهةٍ أخرى، كثفت شرطةُ الاحتلالِ الإسرائيليِّ من انتشارِها في كافةِ أرجاءِ البلدةِ القديمةِ، ونصبتْ حواجزَ حديديةً في جميعِ الطرقِ والأزقّةِ المؤديةِ إلى المسجدِ الأقصى، وأوقفتِ المصلينَ عندَ تلك الحواجز، ودقّقتْ في هوياتِ الشبانِ منهم، واعتدتْ على عددٍ منهم بالضربِ والدفعِ، ونكلتْ بهم بشتى الوسائلِ القمعيةِ.
ووثّقتْ كاميراتُ المصورينَ والمصلينَ مشهدَ اعتداءِ قواتِ الاحتلالِ على شابٍّ ووالدهِ في منطقةِ الوادِ بالبلدةِ القديمةِ، حيثُ تدخّلَ الوالدُ لوقفِ الاعتداءِ على نجلهِ، فكان جزاؤه اعتداءَ قواتِ الاحتلالِ عليه هو الآخر.
واعتقلتْ شرطةُ الاحتلالِ والقواتُ الخاصةُ المدججةُ بالسلاحِ ثلاثةَ مصلينَ عندَ بابِ الأسباطِ، كما اعتقلتْ (14) مصليًّا بينهم طفلٌ في العاشرةِ من عمره، وذلك خلال حملةِ اعتقالاتٍ ممنهجةٍ طالتِ المصلينَ في محيطِ المسجدِ.
كما فرضت قواتُ الاحتلالِ قيودًا مشددةً على دخولِ المصلينَ إلى باحاتِ المسجدِ، ومنعتْ عشراتِ الشبانِ من الدخولِ عبرَ بابِ المجلسِ، وأخضعتهم لتفتيشٍ دقيقٍ ومهين، وفي السياقِ نفسه، اعتقلت قواتُ الاحتلالِ الشابَّ أميرَ الرشقِ عندَ بابِ حطةَ في البلدةِ القديمةِ بالقدسِ.
واستهلَّ خطيبُ المسجدِ الأقصى المبارك، الشيخُ الدكتورُ عروةُ صبري، خطبتَه بحمدِ اللهِ تعالى الذي أنعمَ على الأمةِ بنعمةِ الإسلامِ، وأرسلَ إليها خيرَ الأنامِ سيدَنا محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وأمرَهم بالاقتداءِ به واتباعِ هديهِ ومنهجِه، وأكرمَهم بالصلاةِ والسلامِ عليه.
وأوضحَ الدكتورُ صبري أنَّ للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مكانةً وفضلًا لا يُضاهيهما أحدٌ، فهو سيدُ ولدِ آدمَ وخيرُ الأنبياءِ والمرسلينَ، مستشهدًا بحديثِه الشريفِ الذي يُبيِّنُ مكانتَه يومَ القيامةِ، ومؤكدًا أنَّ هذه المنزلةَ الرفيعةَ تستوجبُ على كلِّ مسلمٍ توقيرَه وتعظيمَه والالتزامَ بآدابِ التعاملِ معه.
وتناول الدكتورُ صبري الحملاتِ الأخيرةَ التي ظهرتْ على الساحةِ، والتي تضمنتْ تطاولًا وتجاوزًا صارخًا على مقامِ النبوةِ، واصفًا إياها بأنها «أصواتٌ نشازٌ» ومقالاتٌ كتبها أناسٌ مأجورونَ تجاوزوا حدودَ الأدبِ مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، بل وتلفظَ بعضُهم بألفاظٍ كفريةٍ تخرجُ عن الملةِ الإسلاميةِ.
واعتبرَ الخطيبُ هذه التجاوزاتِ اعتداءً صارخًا لا يجوزُ السكوتُ عنه، وليس من حقِّها أن توصفَ بأنها «وجهاتُ نظرٍ» أو أنها تدخلُ في إطارِ ما يسمى زورًا وبهتانًا بـ"حريةِ التعبيرِ»، بل هي -في حقيقةِ الأمرِ- حربٌ فكريةٌ ممنهجةٌ يشنُّها أعداءُ الأمةِ الإسلاميةِ على دينِها ونبيِّها.
وأكد أنَّ الحملاتِ الفكريةَ ضدَّ الإسلامِ وأحكامِه، وضدَّ القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ الشريفةِ، ليستْ وليدةَ اليومِ، بل هي حملاتٌ قديمةٌ باءتْ بالفشلِ جميعُها، مستشهدًا بمن طعنَ في السنةِ النبويةِ وادعى الأخذَ بالقرآنِ فقط، محذرًا المسلمينَ من مثلِ هؤلاءِ المضللينَ.
وأشارَ إلى أنَّ هؤلاءِ المشككينَ يواصلونَ حربَهم الخاسرةَ ضدَّ صحيحِ الإمامِ البخاريِّ -رحمه الله-، متخذينَ من الطعنِ فيه مدخلًا خبيثًا للطعنِ في السنةِ النبويةِ برمتها، ولكنَّهم -كما سلفُهم من المشككينَ- سيذهبونَ إلى زوالٍ، وسيبقى صحيحُ البخاريِّ والسنةُ النبويةُ الشريفةُ باقيةً إلى يومِ الدينِ، أما هم فسيذهبونَ إلى ديّانِ السماواتِ والأرضِ ليلقوا جزاءَهم على سوءِ أعمالِهم وانحرافِ أفكارِهم.
ونوَّه الخطيبُ إلى الجهودِ العلميةِ العظيمةِ التي بذلَها علماءُ الحديثِ الشريفِ عبرَ مئاتِ السنينَ لنقلِ السنةِ النبويةِ، وتصنيفِها وتمييزِ صحيحِها من ضعيفِها وفقَ منهجيةٍ علميةٍ محكمةٍ، مؤكدًا أنَّ هؤلاءِ المشككينَ والمأجورينَ يجهلونَ أو يتجاهلونَ هذه الجهودَ؛ ليخدعوا الناسَ بأفكارِهم الضالةِ.
وفي هذا السياقِ، حذَّرَ الدكتورُ صبري من استغلالِ بعضِهم لوسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ لترويجِ هذه الأفكارِ السقيمةِ بغيةَ الربحِ الماديِّ من خلالِ زيادةِ المشاهداتِ، داعيًا المسلمينَ إلى مقاطعةِ هذه المواقعِ والمنصاتِ مطلقًا؛ لقطعِ الطريقِ عليهم، وعدمِ تمكينِهم من تحقيقِ أهدافِهم الرخيصةِ.
وحدَّدَ الدكتورُ صبري واجباتِ المسلمِ تجاهَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في شقينِ رئيسينِ:أولًا: الاعتقادُ، ويشملُ التصديقَ بكلِّ ما وردَ عنه -صلى الله عليه وسلم- من أحكامٍ شرعيةٍ ومعجزاتٍ ثابتةٍ بصحيحِ الحديثِ وما تواترَ من الأخبارِ، والإيمانَ بأنه خاتمُ الأنبياءِ والمرسلينَ، فلا نبيَّ بعدَه، والإيمانَ بشفاعتِه العظمى وسائرِ أنواعِ الشفاعةِ يومَ القيامةِ، والإيمانَ بحوضِه الشريفِ، وبأنَّ له درجةَ الوسيلةِ التي هي أعلى منازلِ الجنةِ.
ثانيًا: العملُ، ويتمثلُ في الاقتداءِ الشاملِ والواعيِ بسيرتِه -صلى الله عليه وسلم- في كلِّ ما وردَ عنه، والتمسكِ بسنتهِ في جميعِ مجالاتِ الحياةِ، والإكثارِ من الصلاةِ والسلامِ عليه كلما ذُكِرَ اسمُه الشريفُ.
وانتقل الشيخُ صبري في خطبتِه الثانيةِ إلى التأكيدِ على وجوبِ محبةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- محبةً قلبيةً صادقةً، فهي من الإيمانِ، ولا يكتملُ إيمانُ العبدِ حتى يكونَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أحبَّ إليه من والدِه وولدِه والناسِ أجمعينَ، مستشهدًا بالحديثِ النبويِّ الشريفِ.
وخصصَ الخطيبُ جزءًا مهمًا من خطبتِه للتأكيدِ على أنَّ محبةَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- تقتضي محبةَ المشاعرِ المقدسةِ والمساجدِ، وعلى رأسِها المسجدُ الأقصى المباركُ، الذي يجبُ أن تتعلقَ به قلوبُ المسلمينَ، فلا يكفي فيه حضورُ الأجسادِ دونَ تعلّقِ القلوبِ، مستشهدًا بحديثِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- عن السبعةِ الذين يظلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه، ومنهم: «رجلٌ قلبُه معلَّقٌ في المساجدِ».
واختتمَ الدكتورُ صبري خطبتَه بسلسلةٍ من الأدعيةِ المباركةِ، سائلًا اللهَ تعالى أن يرزقَ المسلمينَ حبَّ الأقصى في قلوبِهم، وأن يجعلَهم من المحبينَ لنبيِّه والمتأسينَ بسنته، وأن يدفعَ عن سنةِ نبيِّه كيدَ الكفارِ وتشكيكَ المنافقينَ، وأن يحفظَ المسجدَ الأقصى المباركَ من كلِّ سوءٍ، ويجعله عامرًا بالإسلامِ والمسلمينَ، ويكتبَ لهم أجرَ المرابطينَ فيه إلى يومِ الدينِ. كما دعا للمستضعفينَ والمظلومينَ في كلِّ مكانٍ بالرحمةِ، ورفعِ البلاءِ عنهم.