الاستثمار والتكنولوجيا محركان لاقتصاد الشمال
أكد خبراء اقتصاديون أن لقاء سمو ولي العهد بشخصيات وممثلي قطاعات مختلفة في محافظة إربد ركز بشكل واسع على أهمية تعزيز الاستثمار وتوطين التكنولوجيا، إلى جانب تطوير العمل السياحي والزراعي، مما يساعد على توفير فرص عمل للشباب وتقليل نسب البطالة.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أن تأكيد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، على تعزيز استقرار الأردن واقتصاده وفرص الاستثمار فيه، والتركيز بصورة خاصة على التكنولوجيا وتمكين الشباب، يحمل رسالة اقتصادية مهمة في هذا التوقيت، تتمثل في ضرورة تحويل الاستقرار الذي يتمتع به الأردن إلى ميزة تنافسية تجذب الاستثمار.
والتقى سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، الثلاثاء، شخصيات وممثلي قطاعات مختلفة من محافظة إربد.
وتناول اللقاء، الذي عقد في إربد، مواضيع تهم المجتمع المحلي في المحافظة، خاصة في مجالات الاستثمار والسياحة والزراعة والتكنولوجيا والرياضة.
وأكد سمو ولي العهد أنه في ظل الظروف الراهنة في المنطقة، يجب التركيز على تعزيز استقرار الأردن واقتصاده وفرص الاستثمار فيه بمختلف المجالات، خاصة في مجال التكنولوجيا. وجدد سموه التأكيد على أن الأردن دوماً يخرج من أي أزمة أقوى بوعي وهمة أبنائه ومؤسساته. ولفت سمو ولي العهد إلى أهمية الجهود التي تبذل لدعم الشباب وتمكينهم في مختلف المجالات.
وبالحديث عن زيارة جلالة الملك الأخيرة إلى الصين، أشار سموه إلى أهمية الاتفاقيات التي تم توقيعها خلال الزيارة، مؤكداً ضرورة البناء عليها بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني.
بدورهم، أشاد الحضور بالجهود التي يبذلها جلالة الملك خلال زياراته الدولية لتعزيز مكانة المملكة في مختلف المجالات، مثمنين تواصل سمو ولي العهد الدائم مع المجتمع المحلي ودعمه للشباب.
وقال رئيس غرفة صناعة الزرقاء السابق، المهندس فارس حمودة، إن لقاء سمو ولي العهد بشخصيات وممثلي قطاعات مختلفة في محافظة إربد ركز بشكل واسع على أهمية تعزيز الاستثمار وتوطين التكنولوجيا، إلى جانب تطوير العمل السياحي والزراعي، مما يساعد على توفير فرص عمل للشباب وتقليل نسب البطالة.
وأكد حمودة ما قاله سمو ولي العهد بأهمية الاقتصاد في تعزيز فرص الاستقرار، فكلما كان الاقتصاد يتمتع بالمتانة والقوة، زاد ذلك من الاستقرار السياسي وتمكين الشباب وفئات المجتمع المختلفة.
وأضاف حمودة أن السياسة العامة للمملكة وحكمة القيادة الهاشمية ساهمتا في خروج الأردن دائماً من الأزمات التي تمر بها المنطقة أكثر قوة ومنعة، من خلال مرونة عالية يتمتع بها الاقتصاد الوطني في مواجهة الأزمات العالمية.
كما أكد حمودة أهمية الزيارة الناجحة لجلالة الملك إلى الصين، والتي تطرق إليها سمو ولي العهد في اللقاء، حيث تعقد على نتائج هذه الزيارة الكثير من الآمال في جلب الاستثمارات الصينية إلى المملكة والاستفادة من الخبرات الصينية لتعزيز التكنولوجيا وتطوير الصناعة الموجهة للتصدير.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن لقاء سمو ولي العهد مع ممثلي القطاعات المختلفة في محافظة إربد يحمل عدة دلالات اقتصادية مهمة، أبرزها تأكيد القيادة السياسية أن تعزيز الاستثمار لم يعد خياراً منفصلاً عن ملف الاستقرار الاقتصادي، بل أصبح جزءاً أساسياً من قدرة الأردن على مواجهة تداعيات الظروف الإقليمية.
وأضاف أن اللافت في هذا اللقاء هو تركيز ولي العهد على قطاع التكنولوجيا، حيث تمثل إربد، بما تمتلكه من جامعات وكفاءات شابة وشركات ناشئة، بيئة مناسبة لتطوير اقتصاد قائم على المعرفة. وبالتالي، فإن المطلوب ليس فقط استقطاب الاستثمارات التقليدية، وإنما جذب استثمارات نوعية في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي ومراكز الخدمات والبرمجيات، بما يخلق وظائف ذات قيمة مضافة للشباب.
وأشار إلى أنه في قطاع الزراعة، فإن إربد تمتلك ميزة نسبية يمكن تحويلها من نشاط إنتاجي تقليدي إلى سلسلة قيمة متكاملة، من خلال التصنيع الغذائي والتخزين والتبريد والتسويق والتصدير واستخدام التكنولوجيا الزراعية. وهذا من شأنه رفع القيمة المضافة للقطاع وتحسين دخل المزارعين، بدلاً من اقتصار النشاط على بيع المنتجات الأولية.
وأضاف أنه، أما في المجال السياحي، فإن تطوير السياحة في إربد ومحافظات الشمال يحتاج إلى ربط المواقع السياحية بالمنتج الزراعي والثقافي والتراثي، وتحويلها إلى مسار سياحي متكامل قادر على زيادة مدة إقامة السائح والإنفاق السياحي في المنطقة.
ولفت إلى أنه، ومن زاوية الاستثمار، فإن أهمية اللقاء تكمن في الانتقال من الاستماع إلى التحديات التي تواجه الاستثمار إلى تحويلها إلى مشاريع استثمارية قابلة للتنفيذ. فالقطاع الخاص يحتاج إلى بيئة أعمال مستقرة، وإجراءات حكومية أسرع، وحوافز واضحة، وتمويل، وبنية تحتية مناسبة، وليس فقط إلى الترويج للاستثمار.
كما لفت مخامرة إلى أن إشارة سمو ولي العهد إلى زيارة جلالة الملك الأخيرة إلى الصين تحمل أهمية اقتصادية خاصة؛ فالقيمة الحقيقية للاتفاقيات ومذكرات التفاهم تكمن في تحويلها إلى استثمارات ومشاريع فعلية داخل الأردن. وهنا يمكن لإربد أن تستفيد من أي توجه نحو تعزيز التعاون الاقتصادي مع الصين، خصوصاً في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والزراعة الحديثة وسلاسل التوريد، مما يساهم في تنويع مصادر الاستثمار الأجنبي وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأردنية.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن تأكيد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، على تعزيز استقرار الأردن واقتصاده وفرص الاستثمار فيه، والتركيز بصورة خاصة على التكنولوجيا وتمكين الشباب، يحمل رسالة اقتصادية مهمة في هذا التوقيت، تتمثل في ضرورة تحويل الاستقرار الذي يتمتع به الأردن إلى ميزة تنافسية تجذب الاستثمار، وتحويل المحافظات إلى محركات إنتاج ونمو متخصصة ومتكاملة تخلق فرص العمل وتوسع مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
وأوضح الحدب أن إربد تمتلك ثقلاً سكانياً واقتصادياً يجعلها مؤهلة للقيام بدور أكبر في اقتصاد المملكة؛ إذ بلغ عدد سكان المحافظة نحو 2.21 مليون نسمة بنهاية 2025، ما يجعل قضية الاستثمار والتشغيل فيها قضية اقتصادية وطنية وليست محلية فقط. وكل ارتفاع في إنتاجية الاقتصاد والاستثمار والتشغيل في محافظة بهذا الحجم سينعكس على الطلب والاستهلاك والدخل والنمو على مستوى المملكة.
وأشار الحدب إلى أن إربد لا تبدأ من الصفر، بل تمتلك قاعدة صناعية وتصديرية مهمة؛ فقد ارتفعت صادرات غرفة صناعة إربد خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 بنسبة 7.2% لتصل إلى 718 مليون دولار، مقابل 666.5 مليون دولار للفترة ذاتها من العام الماضي، فيما تجاوزت صادراتها خلال عام 2025 كاملاً 1.2 مليار دولار. كما تضم مدينة الحسن الصناعية 132 مصنعاً باستثمارات تتجاوز 629 مليون دولار، وتشغل نحو 43 ألف عامل وعاملة، ما يؤكد أن المحافظة تمتلك بالفعل قاعدة يمكن البناء عليها لاستقطاب استثمارات جديدة.
وبيّن الحدب أن الأرقام تكشف، في الوقت نفسه، فرصة مهمة للتنويع، إذ بلغت صادرات الصناعات الجلدية والمحيكات نحو 632 مليون دولار من أصل 718 مليوناً خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، أي ما يقارب 88% من صادرات إربد الصناعية. وهذا النجاح التصديري يجب الحفاظ عليه، لكن من المهم، بالتوازي، توسيع مساهمة الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية والتكنولوجية، حتى يصبح اقتصاد المحافظة أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة تقلبات الأسواق الخارجية.
وأضاف الحدب أن تركيز سمو ولي العهد على التكنولوجيا يأتي منسجماً مع إحدى أهم الميزات التنافسية لإربد، وهي الشباب والجامعات ورأس المال البشري. وافتتاح المركز التكنولوجي «منصة الشمال» في إربد خلال آب الماضي لخدمة شباب إربد ومحافظات الشمال يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لجذب شركات البرمجيات والتعهيد والخدمات الرقمية والأمن السيبراني والتكنولوجيا الزراعية، وربط التدريب بفرص عمل فعلية وليس بعدد الدورات التدريبية فقط.
وأكد الحدب أن المطلوب هو بناء حلقة اقتصادية تربط الجامعة بالشركة والمستثمر والسوق الخارجي، بحيث تتحول المعرفة إلى منتج أو خدمة قابلة للتصدير. ويمكن قياس النجاح هنا بعدد الشركات التكنولوجية الجديدة، والوظائف التي توفرها للشباب، ومتوسط أجورها، وقيمة صادرات الخدمات الرقمية والتكنولوجية من إربد، خصوصاً أن هذا النوع من النشاط الاقتصادي يستطيع خلق وظائف مرتفعة الإنتاجية دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الأراضي والموارد الطبيعية.
ولفت الحدب إلى أن الفرصة الأكبر تكمن في عدم التعامل مع إربد بمعزل عن المفرق وجرش وعجلون، وإنما النظر إلى الشمال باعتباره إقليماً اقتصادياً متكاملاً تتوزع فيه الأدوار وفق الميزة النسبية لكل محافظة؛ فتكون إربد مركزاً للصناعة والتكنولوجيا والتعليم والخدمات، والمفرق عمقاً زراعياً وإنتاجياً ولوجستياً، فيما تشكل جرش وعجلون رافعة للسياحة الثقافية والبيئية والمشاريع المحلية المرتبطة بها.
وأوضح الحدب أن هذا التكامل يمكن أن يتحول إلى سلاسل قيمة حقيقية؛ فالمنتج الزراعي في المفرق والأغوار يمكن أن ينتقل إلى إربد للتصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف، ثم إلى الأسواق الخارجية، بينما ترتبط السياحة في جرش وعجلون بخدمات النقل والضيافة والمنتجات الغذائية والحرفية في بقية محافظات الشمال. وبهذه الطريقة لا يستفيد من الاستثمار موقع المشروع فقط، وإنما تتوزع قيمته المضافة وفرص العمل التي يولدها على أكثر من محافظة.
وأشار الحدب إلى أن الزراعة نفسها تقدم فرصة واضحة لزيادة القيمة المضافة في إربد؛ فالمحافظة تنتج سنوياً ما بين 6 و8 آلاف طن من الرمان من مساحة تقدر بين ألفين و2500 دونم، كما تصدرت معاصر إربد محافظات المملكة في إنتاج زيت الزيتون خلال موسم 2025 بنحو 5.5 ألف طن. والمطلوب اقتصادياً ألا تبقى هذه المنتجات عند حدود الإنتاج الأولي، بل تتوسع حولها صناعات غذائية وتعبئة وتخزين وتسويق وتصدير، لأن القيمة الاقتصادية للطن المصنع أعلى من قيمة الطن المباع كمادة أولية.
وأضاف الحدب أن حديث سمو ولي العهد عن زيارة جلالة الملك الأخيرة إلى الصين وضرورة البناء على الاتفاقيات الموقعة خلالها يفتح نافذة مهمة لهذا النموذج، بحيث توجه الفرص الاستثمارية الناتجة عن الزيارات الملكية نحو الميزات الفعلية للمحافظات؛ من التكنولوجيا والصناعة في إربد، إلى الزراعة واللوجستيات في المفرق، والسياحة في جرش وعجلون، لتتحول العلاقات الاقتصادية الخارجية إلى استثمارات وإنتاج ونقل للتكنولوجيا ووظائف.
واقترح الحدب إعداد خريطة استثمارية موحدة لإقليم الشمال تتضمن مشاريع جاهزة وليس قطاعات عامة فقط، بحيث تحدد لكل مشروع الموقع، وحجم الاستثمار، والبنية التحتية المطلوبة، والمهارات المتاحة، والأسواق المستهدفة، والصادرات والوظائف المتوقعة، مع إيجاد إطار تنسيقي يمنع تنافس المحافظات على الاستثمار نفسه ويوجه كل مشروع إلى الموقع الذي يحقق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي.
وأكد الحدب أن نجاح هذا النموذج يجب أن يقاس بمجموعة مؤشرات واضحة: حجم الاستثمار المنفذ فعلياً، وعدد الوظائف الأردنية المستحدثة، وقيمة الصادرات الجديدة، ونسبة المكون المحلي، وعدد الشركات التكنولوجية الجديدة، ومتوسط دخل العامل، ونسبة المشاريع التي انتقلت من الإعلان إلى الإنتاج، لأن الهدف النهائي ليس توزيع المشاريع جغرافياً فقط، وإنما رفع إنتاجية المحافظات ومساهمتها في الاقتصاد الوطني.
واختتم الحدب بالتأكيد على أن رسالة لقاء سمو ولي العهد في إربد تفتح المجال للانتقال من مفهوم تنمية كل محافظة بصورة منفردة إلى بناء اقتصاد إقليمي متكامل، بحيث تصبح قوة إربد الصناعية والتعليمية والتكنولوجية محركاً للشمال، وتتكامل معها إمكانات المفرق الزراعية واللوجستية وميزات جرش وعجلون السياحية.
وأكد الحدب أن المعادلة المطلوبة هي استقرار يجذب الاستثمار، واستثمار يستفيد من ميزة كل محافظة، ومحافظات ترتبط بسلاسل إنتاج وقيمة واحدة، وإنتاج يصل إلى الأسواق الخارجية، ونمو يتحول في النهاية إلى وظائف ودخل أفضل للمواطن؛ وعندها يصبح الاستثمار في إربد والشمال إضافة مباشرة إلى قوة الاقتصاد الأردني ككل.