في كل مناسبة، يعود رئيس الجامعة الأردنية الدكتور نذير عبيدات إلى فكرة لطالما رددها في لقاءاته بالطلبة، وإن اختلفت طبيعة تلك المناسبات أو تعددت عناوينها؛ إذ تقوم الفكرة، بما معناه، على أن: «المعرفة لم تعد شحيحة، والوصول إليها لم يعد هو التحدي؛ فمصادر العلم وأدواته أصبحت متاحة على نطاق واسع، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الإنسان نفسه: ماذا تعلم؟ وكيف غير ما تعلمه من وعيه وتفكيره؟ ومتى وأين يستطيع أن يوظفه ليصنع به أثرًا؟».
إلا أنها بدت أكثر تجليًا ووضوحًا، وأخذت أبعادًا إنسانية ووطنية، حين طرحها في كلمته التي ألقاها في ختام حفل تخريج «فوج الهواشم» في الجامعة الأردنية.
كلمته لم تكن مجرد تهنئة للخريجين في يوم فرحهم ومغادرتهم لجامعتهم التي احتضنتهم على مدار سنين؛ بقدر ما بدت نصيحة أراد أن يضعها في قلوبهم وعقولهم قبل أن يغادروا المكان… نصيحة لا تتعلق بشهادة التخرج وحدها؛ وإنما تتعلق بما ينبغي أن يفعلوه بها وبأنفسهم بعد أن يحملوها إلى الحياة.
ولعل رئيس الجامعة ترك في كلمته شيئًا يمكنهم أن يعودوا إليه كلما احتاجوا إلى تذكير أو نصيحة، وإن نسوا أو تناسوا، فها هم آباؤهم وأمهاتهم، الذين قدموا إلى الحفل ليشاركوهم فرحتهم، فليكونوا «الذاكرة» لهم؛ تسعفهم في زحام الحياة، وتعيد إلى أذهانهم ما قاله لهم معلمهم في اللقاء الأخير الذي ودعهم فيه: «أن قيمة ما تعلموه لا تقاس بما حفظوه، وإنما بما سيصنعونه به في حياتهم وحياة الآخرين».
ولم تأت هذه الفكرة في كلمة رئيس الجامعة بصيغة مباشرة واحدة، وإنما توزعت في عبارات مختلفة؛ بعضها جاء واضحًا وصريحًا، وبعضها حمل معناها بصورة غير مباشرة، لكنها كانت جميعها تلتقي عند مفترق سؤال واحد: «ماذا سيفعل الإنسان بما تعلمه؟».
ولعل أوضح العبارات قوله: «وتذكروا دائمًا… أن العلم الذي لا يقوده ضمير، قد يصبح قوة بلا قيمة وبلا معنى»، مؤكدًا من خلالها أن امتلاك المعرفة وحده لا يكفي، ما لم يرافقها ضمير يوجهها، وقيم تضبط استخدامها، وغاية تجعل منها قوة نافعة للإنسان وللمجتمع.
وينتقل رئيس الجامعة بالفكرة إلى موضع آخر حين خص الخريجين بالقول: «اليوم تبدأ رحلتكم الحقيقية.. فاتركوا لكم أثرًا فيها»، ومن ثم: «ستحملون شهاداتكم… لا تنسوا أن تحملوا معها قيمكم"؛ ثم يردف بالعبارة التي تشرح المعنى كله: «فالشهادة تفتح بابًا، أما الإنسان الذي يحملها، فهو الذي يترك أثرًا فيما وراء ذلك الباب».
وقصد بذلك أن الشهادة، مهما كانت درجتها العلمية، لا تصنع وحدها مستقبلًا متميزًا لصاحبها؛ وإنما وحده صاحب الشهادة القادر على أن يمنحها معناها، بما يفعله بعدها، وبما يفعله بها، وبتمسكه بقيمه، وبما سيحدثه من أثر.
ويمضي عبيدات في طرح فكرته، مانحًا إياها معنى أعمق وأكثر اتساعًا، حين قال: «هنا تعلمتم كثيرًا من الحياة… إلا أن الحياة ما زالت تخبئ أسرارًا لا تنتهي»، وأيضًا: «فلا تخافوا الأسئلة، ولا تستعجلوا الإجابات"؛ وكأنه يقول لهم إن العلم الذي حصلوا عليه داخل الجامعة ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لعلم أوسع وأنفع سينهلونه من الحياة وتجاربها؛ فالعلم لا يتوقف عند حد، والإنسان سيظل يعيش ويتعلم ويكتسب المزيد من الخبرات، ثم يوصيهم بعدها بعدم استعجال الإجابات، وإنما بالتريث والتمهل في الحصول عليها، حتى تأتي في وقتها.
هكذا ظلت الفكرة حاضرة في الكلمة، وإن تنقلت بين أكثر من صورة وفي أكثر من موضع، ولعل هذا هو المعنى الذي أراد رئيس الجامعة أن يتركه مع الخريجين؛ أن يأخذوا علمهم معهم، لكن ألا يحملوه وحده؛ وإنما يصحبوه بالقيم والضمير، وبالقدرة على السؤال، وبالرحمة والصدق والوفاء، وأن يجعلوا منه عملًا نافعًا وأثرًا يبقى.
ما هو لافت أن كلمة رئيس الجامعة لم تتوقف عند وصية العلم الذي سيحمله الخريج معه، وكيف سيسهم من خلاله في إحداث أثر؛ وإنما تعدت ذلك إلى منحى آخر من الوصايا، بعد أن سلط فيها الضوء على الخريج ذاته؛ هذا الإنسان الذي أمضى سنوات دراسته الجامعية في هذا المكان، وهي مدة كافية لأن تتشكل شخصيته وهويته في هذا الفضاء وأن يترك في تكوينه شيئًا يتجاوز المعرفة الأكاديمية.
وهذا ما أشار إليه عبيدات حين قال: «ومن لقاء ذلك الزمان بهذا المكان… ولد شيء اسمه أنتم»، وأيضًا: «لقد رسم الخالق لكل واحد منكم زمانًا، ومكانًا. فاكتملت لكل واحد منكم معادلة ثلاثية الأبعاد، لا تشبه سواها».
وقد بدا كل خريج، بهذا الوصف بحسب رؤية رئيس الجامعة؛ نتاج تجربة خاصة لا ولن تتكرر؛ فكما جاء في الكلمة؛ الطرقات قد تتشابه، لكن الرحلات التي يسلكها أصحابها بتفاصيلها لن تتكرر أبدًا؛ كما أن الزمان الذي انقضى، والمكان الذي احتضنهم، والتجارب التي عاشوها فيه، اجتمعت جميعها لتصنع إنسانًا مختلفًا لا يشبه سواه، يحمل من جامعته أكثر من مجرد شهادة.
ومن الإنسان، انتقل عبيدات إلى من كانوا وراءه في هذه الرحلة؛ إلى الأسرة التي فيها كانت بذرة النشأة، وترعرعت حتى نضجت، وإلى الوطن الذي سيحمل الخريجون شيئًا من سمعته ومكانته على أكتافهم أينما حلوا وأينما ارتحلوا في مستقبلهم.
ودون أن يعزل عبيدات فرحة التخرج عن واقع الأمة وما يحيط بها من ألم، استحضر الأردن وقيادته الهاشمية، وما يبذل من أجل وطنه وأمته، وما يتعرض له أهلنا في غرب النهر وغزة من ظلم وقسوة؛ وكأنه يقول هنا بأن الخريج، ومهما أخذته الحياة؛ وطنه لا يغادره أبدًا، ولا تنتهي مسؤوليته تجاهه بمجرد مغادرة أسوار الجامعة أو حدود الأرض.
كل ذاك جاء في كلمة رئيس الجامعة الأردنية الدكتور نذير عبيدات؛ التي تستحق أن تحفظ في ذاكرة وأرشيف تخريج «فوج الهواشم"؛ لتكون شاهدًا على زمان ومكان لن يتكررا، لما جمعته من وصف أدبي وحفلت بالكثير من التأمل والحكم والذكريات والقيم والإنسانية والأسرة والوطن، والإنسان الذي هو أغلى ما نملك وأنجح استثمار.