كتاب

باص المدرسة.. فلسفة جديدة

هناك أفكار حكومية تبدو بسيطة في شكلها، لكنها تحمل أثرا كبيرا في حياة الناس، ومشروع النقل المدرسي المجاني واحد من هذه الأفكار التي تستحق التقدير، لأنه يتعامل مع الحافلة باعتبارها جزءا من منظومة أوسع عنوانها الوصول الآمن إلى التعليم، فما أهمية هذا الفكرة؟.
فعندما توفر الحكومة نقلا مجانيا للطلبة، خصوصا في المناطق النائية والمتباعدة، فإنها تخفف عبئا عن الأسرة، وتزيل عائقا أمام الطالب، وتمنحه فرصة للوصول إلى مدرسته بانتظام وأمان وخاصة أن المسافة في بعض المناطق لا تكون مجرد كيلومترات تفصل المنزل عن المدرسة، بل قد تكون تحديا حقيقيا أمام استمرار الطالب في تعليمه.
ومن هنا تأتي أهمية المشروع، الذي بدأ في مناطق من الجنوب ولواء القويرة، ويستهدف في مرحلته الأولى تشغيل نحو 120 حافلة لخدمة 61 مدرسة ونقل أكثر من 9 آلاف طالب وطالبة، إلى جانب نحو 900 معلم وإداري، وهذه الأرقام لا تعني مجرد حافلات ومدارس ومستفيدين، بل تعني آلاف الرحلات اليومية التي يمكن أن تصبح أكثر أمانًا وتنظيمًا، وآلاف الأسر التي تتخلص من جزء من أعبائها.
اللافت أن المشروع لم يضع المجانية وحدها في المقدمة، بل اهتم بسلامة الطلبة ومتابعة رحلاتهم، من خلال الكاميرات وأجهزة التتبع والتطبيق الإلكتروني الذي يتيح لأولياء الأمور متابعة حركة الحافلة ومعرفة مسارها وموعد وصولها، وهذه التفاصيل مهمة جدا، لأنها تبني الثقة بين الأسرة والمنظومة التي تنقل أبناءها كل صباح.
العدالة تقول إن الطالب الذي يعيش في قرية بعيدة أو تجمع سكاني متباعد يجب ألا تكون المسافة سببا في ابتعادة عن التعليم أو انتظامه في المدرسة، ومن هنا تتحول الحافلة من خدمة نقل إلى أداة من أدوات العدالة الاجتماعية.
كما أن التوسع التدريجي للمشروع ليشمل مناطق أخرى في المملكة خطوة تستحق الدعم، على أن يستمر توجيه الخدمة وفق دراسات دقيقة تحدد المناطق الأكثر حاجة، والمسارات الأكثر فاعلية، وعدد الطلبة المستفيدين.
خلاصة القول، في بلد مثل الأردن، حيث تختلف الظروف الاقتصادية من أسرة إلى أخرى، فإن مثل هذه المشاريع تحمل قيمة تتجاوز الجانب الخدمي وفلسفة جديدة، وتؤكد أن الدولة تستطيع أن تتدخل بالتفاصيل التي تبدو صغيرة، لكنها بالنسبة للمواطن كبيرة ومؤثرة، وكل هذا رغم الظروف التي تعيشها الموازنة العامة من عجز.