الارتفاع الكبير في موازنات وحدة الآثار التابعة للحكومة الإسرائيلية من 14 مليون شيكل عام 2019 إلى نحو 124 مليوناً عام 2026، والزيادة الكبيرة في عدد العاملين، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات السياسية والتوسعية الجارية في الضفة، ولا عن مشاريع ما يسمى تطوير المواقع الأثرية فيها، بحجة "التراث اليهودي المزعوم" لخلق واقع يصعب تغييره مستقبلاً.
التغير الملحوظ والتلون في استراتيجية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، سواء على صعيد الاستيطان أو على صعيد السيطرة الأمنية، يشي بتغيير في الوسائل من أجل تحقيق الغاية نفسها، ففي غزة مثلاً، تكشف عملية اعتقال قيادي من حماس عن تحول جديد في طريقة التعامل الإسرائيلية مع القيادات الفلسطينية.
فالمسألة، وفق ما تنقله الصحافة الإسرائيلية، لم تكن مجرد عملية أمنية تستهدف شخصاً بعينه، وإنما محاولة للحصول على "مخزون معلومات" يمكن أن يكشف بنية حماس العسكرية والاستخبارية وشبكاتها وخططها، وهذا يعكس ثقة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بقدرتها الاستخبارية، لكنه يكشف في المقابل حجم القلق من استمرار قدرة حماس على الاحتفاظ بأسرارها وبنيتها التنظيمية.
المفارقة الأبرز تظهر في الضفة الغربية المحتلة، حيث تحذر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها من أن الخطر الأكبر على الاستقرار قد لا يأتي من الفلسطينيين هذه المرة، وإنما من تصاعد إرهاب المستوطنين والمتطرفين اليهود، والاعتداءات على البلدات الفلسطينية وحرق المساجد وتهديد الصحفيين والمسؤولين، بما يكشف اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن ما يسميه "حفنة من المشاغبين"، وبين تقديرات أمنية ترى في هذا العنف عاملاً يمكن أن يشعل الضفة في توقيت بالغ الحساسية.
على صعيد التداعيات الانتخابية، تبدو الضفة الغربية حاضرة بقوة في المشهد الإسرائيلي الانتخابي، باعتبارها ساحة لإنتاج وقائع جديدة على الأرض، فالتوسع الكبير في تمويل المشاريع الأثرية وتطوير المواقع التاريخية، إلى جانب الدفع باتجاه مشاريع استيطانية في مناطق استراتيجية، يشير إلى أن الصراع لم يعد يدور حول الأمن وحده، وإنما حول الأرض والهوية ومستقبل الحدود.
أما على المستوى السياسي، فتشير الصحافة الإسرائيلية إلى أن ضعف بنيامين نتنياهو لا يعني بالضرورة ضعف اليمين. فالمعسكر الليبرالي يخشى أن تؤدي الحروب والتحولات الأخيرة إلى مجتمع إسرائيلي أكثر يمينية وتديناً، وأن يكون الخلاف الحقيقي في الانتخابات المقبلة ليس حول شخص نتنياهو فقط، بل حول طبيعة إسرائيل ومستقبلها السياسي.
وفي المقابل، يبرز التحول في علاقة منصور عباس بالقوى اليهودية باعتباره محاولة لكسر أحد أكثر الحواجز رسوخاً في السياسة الإسرائيلية، غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرته على تحقيق مكاسب حقيقية للفلسطينيين وعدم اختزال مشاركتهم السياسية في ترتيبات انتخابية عابرة.
المعركة في الضفة الغربية المحتلة اليوم هي معركة على شكل المستقبل، فالآثار من أجل إعادة صياغة الرواية، والاستيطان من أجل إعادة صياغة الجغرافيا، وهنا تبرز خطورة تحويل التاريخ والآثار إلى أدوات سياسية، فحين تتحول المواقع الأثرية إلى وسيلة لتثبيت السيطرة وتوسيع الاستيطان، يصبح الصراع على الماضي مدخلاً لإعادة رسم المستقبل.
والخلاصة الأهم أن المعركة المقبلة لن تكون فقط على من يحكم إسرائيل، بل على أي إسرائيل ستخرج من الانتخابات، وعلى شكل علاقتها مع الفلسطينيين الذين تحتل أراضيهم وتنكل بشعبهم، وعلى ما إذا كان الأمن سيبقى مدخلاً لمعالجة الصراع، أم يتحول إلى غطاء لترسيخ واقع جديد على الأرض؟