أهم ما يميز حسان أنه يعرف الدولة جيداً، فهو لم يصل إلى رئاسة الحكومة من خارج الإدارة العامة، بل يحمل خبرة طويلة في مؤسساتها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية، ويعرف أين تتعطل الأمور وكيف يمكن دفعها إلى الأمام.
وهذا يظهر في طريقة إدارته لحكومته. حسان يتابع، ويسأل، ويذهب إلى الميدان، ثم يعود إلى الملف طالباً نتيجة. وهذه ليست مجرد صورة، بل بدأت تتحول إلى أرقام قابلة للقياس.
فخلال أول 447 يوماً من عمر حكومته، تفقد 130 موقعاً في مختلف المحافظات، شملت 35 لواءً و4 أقضية و44 بلدية. وأسفرت هذه الجولات عن 308 إجراءات تنفيذية، أُنجز منها 195 إجراءً عند صدور تقرير المتابعة، فيما استمر العمل على 113 إجراءً آخر.
وهنا يكمن الفرق: زيارة المسؤول للموقع ليست إنجازاً بحد ذاتها، بل الإنجاز فيما يحدث بعدها.
في مستشفى الأميرة بسمة الجديد في إربد، بدأت الحكومة التشغيل التجريبي بعد سنوات من التأخير. ويضم المستشفى تسعة طوابق و566 سريراً، منها 60 للعناية الحثيثة. كما شملت الإجراءات الميدانية تحسين الخدمات في 21 مركزاً صحياً و13 مستشفى تخدم أكثر من 5.5 مليون مراجع سنوياً، وصيانة 26 مدرسة يستفيد منها أكثر من 22 ألف طالب وطالبة، وتسريع مشروع مدينة الأمير فيصل للشباب بما يخدم أكثر من 61 ألف مواطن، إلى جانب تأهيل تسعة مواقع سياحية يرتادها أكثر من 153 ألف زائر سنوياً.
قد تبدو هذه مشاريع متفرقة، لكنها تعكس طريقة إدارة واضحة، الميدان يتحول إلى قرار، والقرار إلى إجراء، والإجراء إلى متابعة.
وهذا ما يحتاجه الأردن تحديداً، فنحن لا نعاني نقصاً في الخطط والاستراتيجيات، بل في المسافة بين اتخاذ القرار وتنفيذه، وبين الإعلان عن المشروع ورؤية أثره على الأرض.
لذلك، قد لا يكون أهم ما يميز حكومة حسان مشروعاً واحداً، بل بناء ثقافة التنفيذ داخل الحكومة. وقد ظهرت هذه الفكرة في توجيهاته للوزراء والأمناء العامين عندما وجههم"لا تقفوا أمام العوائق، بل ابحثوا عن الحلول".
فالمواطن لا يعنيه أن يتعطل المشروع بسبب إجراء بين وزارتين أو كتاب لم يصل. ومن هنا تبرز أهمية تطوير منظومة متابعة الأداء والإنجاز في رئاسة الوزراء، عبر مؤشرات واضحة للأداء والأثر، ومسؤوليات محددة، وجداول زمنية تتيح معرفة مسار كل مشروع والجهة المسؤولة عنه.
اقتصادياً، بلغ النمو الحقيقي 2.93% في الربع الأول من عام 2026، فيما بقي التضخم عند 2.13% خلال الأشهر السبعة الأولى، وتجاوزت الاحتياطيات الأجنبية 26.5 مليار دولار في تموز 2026. لا تعني هذه الأرقام انتهاء التحديات، لكنها تشير إلى استمرار الاستقرار وتحرك الاقتصاد في الاتجاه الصحيح رغم الاضطراب الإقليمي.
والمرحلة المقبلة أكثر أهمية، فالبرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026-2029 يتضمن 392 مشروعاً، باستثمارات متوقعة مع القطاع الخاص تقارب عشرة مليارات دينار. كما يواجه الأردن مشاريع استراتيجية كبرى، منها الناقل الوطني للمياه، وسكة حديد العقبة–الشيدية والعقبة–غور الصافي، وربط غاز الريشة بخط الغاز العربي، ومشروع مدينة عمرة.
وهنا سيكون الامتحان الحقيقي ليس في الإعلان عن هذه المشاريع، بل في تنفيذها.
حسان لا يبدو رئيس وزراء يبحث عن بطولة إعلامية أو صوت مرتفع. شخصيته هادئة ودمثة، لكن خلف هذا الهدوء جدية واضحة في العمل والمتابعة، وهذه معادلة مهمة في المسؤول العام: دماثة في التعامل، وحزم في الإنجاز.
ولا يعني ذلك أن الطريق اكتمل. فالبطالة، خصوصاً بين الشباب، ما تزال التحدي الأكبر، كما يجب أن يتحسن دخل المواطن، وأن يصبح النمو أكثر قدرة على خلق فرص العمل، وأن يصل الاستثمار إلى المحافظات، فيما تظل المديونية والمالية العامة قيداً ثقيلاً.
المواطن لا يعيش على المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل يسأل: ماذا تغير في حياتي؟ هل وجدت فرصة عمل؟ هل تحسنت مدرستي ومستشفاي؟ هل أصبحت معاملتي الحكومية أسهل؟ وهل تحسن دخلي؟
هذا هو الاختبار القادم.
لكن الذي لم يتحقق بعد لا يلغي ما تحقق، بل يمثل المرحلة التالية التي يجب البناء عليها، فالإنجاز في إدارة الدول تراكمي، ولا تستطيع حكومة إصلاح ما تراكم خلال عقود في عام أو عامين، لكنها تستطيع تغيير الاتجاه، ورفع سرعة التنفيذ، ووضع قواعد جديدة للعمل.
وربما يكون هذا هو الإرث الأهم الذي يستطيع جعفر حسان تركه: أن يصبح الوزير مسؤولاً عن نتيجة لا عن نشاط، وأن يكون لكل مشروع موعد، ولكل موعد مسؤول، ولكل مسؤول مساءلة.
حينها ننتقل من إدارة الحكومة إلى إدارة الإنجاز.
وجعفر حسان يمتلك مقومات هذا النهج، خبرة طويلة في الدولة، معرفة بملفاتها، هدوء في الشخصية، مهنية في التعامل، وإصرار على المتابعة، لذلك يستحق أن يمنح الثقة والمساحة ليكمل ما بدأه، مع بقاء المساءلة ورفع سقف التوقعات.
فالأردن لا يحتاج إلى مزيد من الكلام بقدر حاجته إلى حكومة تنفذ، وإلى مسؤولين يعرفون أن قيمة القرار فيما يحدث بعد صدوره.
جعفر حسان يعمل بصمت، وإذا تحولت المشاريع الكبرى والمؤشرات الاقتصادية إلى فرص عمل وتحسن ملموس في حياة الأردنيين، فقد يصبح ما بدأه أكثر من إنجازات حكومة، قد يصبح نموذجاً مختلفاً في إدارة الدولة.