كتاب

عودة لملف كبير لم يُغْلَق*

سأسرد عليكم بعضا من القصة الواقعية لصراع اللغة العربية من أجل البقاء في مجال التعليم الطبي، تماماً كما عشتها حية مع أبناء مهنتي وبين أهلي وقومي! ولن أعود لاصدّع رؤوسكم بأهمية وضرورة استخدام اللغة العربية في تدريس العلوم، فذلك ما فتئنا نكرره منذ أكثر من سبعة عقود، حتى أثبتته دراسات وأبحاث الهيئات الرصينة حول العالم وفي مقدمتها اليونيسكو بالنسبة لتدريس العلوم عموما ومنظمة الصحة العالمية بالنسبة لتدريس الطب خصوصاً، وهو ما تبنّته أيضا وبدأت تعد له جامعة الدول العربية منذ أكثر من أربعة عقود بعد أن أصبح أمراً محسوماً محتوماً.
لكن الغريب العجيب أن الحكومات لم تعلن رأيها، لا فرادى ولا موحدين خلف جامعتهم في هذا الشأن، وكانت على مدى تاريخها الحديث قد تقاعست عن أن تحذو حذو سوريا التي بدأت وحدها تدرّس الطب بالعربية وصمدت منذ أوائل القرن الماضي، في حين لحقت بها تباعًا معظم دول العالم الأخرى بتطبيق نفس المبدأ واستعمال لغاتها الوطنية.
إذن فليس مقبولاً في مثل هذا الملتقى المتخصص أن أعود لأبشر باختراع العجلة من جديد فأعدد مبررات استخدام اللغة الأم، لغتنا العربية، في هذا الشأن عديدة من حتى لو كان هناك من لا يزالون يجهلون هذه الحقيقة أو يتنكرون لها بتفضيل اللغة الأجنبية عليها كالإنجليزية مثلاً، لأسباب عديدة بينها ما كشف عنه مؤرخنا الأندلسي الكبير ابن خلدون حين تحدث عن عقدة تقليد المغلوبين للغالبين لفرط إعجابهم بهم أو خنوعهم لهم، وذلك باستخدام لغتهم ولباسهم ونمط سلوكهم.
ربما فشلتْ نضالات جيلي من الأطباء ضد طمس اللغة العربية وإهانتها باستبعادها من مجال تعليم العلوم في جامعاتنا بحجة كاذبة ومهينة هي عدم قدرتها أو تهافت مستواها بين لغات العالم، حتى سادت بين الناس في بلادنا انطباعات زائفة بتفوق الدارسين للطب باللغة الاجنبية على أشقائهم السوريين من الذين تمسكوا لأكثر من قرن بالدراسة بالعربية في سوريا.
كنا قد عرفنا من اطلاعاتنا في وقت مبكر أن مشاريع قديمة قد أُنجزت في دول عربية أخرى ونجحت بتدريس العلوم الطبية بالعربية لكنها ما لبثت أن أُجهضت، ففي مصر مثلا كان والي مصر محمد علي قد بدأ بإنشاء أول كلية طب عام ١٨٢٧ في أبو زعبل على جبل المقطم مستعينا بطبيب من فرنسا اسمه 'كلوت' ومنحه لقب البكويّة، والمدهش أنه -وهو الأجنبي- كان مؤمناً حتى في ذلك الماضي البعيد بأن اللغة الوطنية هي الأفضل لتعليم العلوم، ثم انتقلت الكلية إلى قصر العيني على شاطئ النيل في القاهرة، وبعد ذلك حذت حذوها باستخدام العربية كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت عند إنشائها في عام ١٨٦٧، لكن، ما أن احتلت جيوش الجنرال أللنبي البريطانية مصر عام ١٨٨٢ حتى قامت بارتكاب أحد آثامها الاستعمارية بعيدة المدى، إذ حوّلت التعليم في كلية الطب قصر العيني من العربية إلى الإنجليزية، وما لبثت الجامعة الأميركية في بيروت بعد سنوات قليلة -وكأنها وجدت فرصتها السانحة- أن قلبت ظهر المجنّ لتعليم الطب بالعربية وأحلّت محلها اللغة الإنجليزية.
نتذكر في تلك السنوات المبكرة من 'استقلال' بعض أقطار المنطقة كيف كانت الرغبة عارمة لدى طلاب شرق الأردن مثلا لاستكمال تعليمهم الجامعي غير المتوفر محليا، أينما أتيح لهم سواء في سوريا أو مصر وقليلاً في العراق ولبنان، حيث كان تعليم الطب بالإنجليزية -عدا سوريا- بالعربية، وشهد جيلنا ظهور بعض أطباء الاردن البارزين القادمين من سوريا كعبد الرحمن شقير طبيب الفقراء، وتزايد عدد خريجي مصر من جامعاتها في القاهرة والإسكندرية، وبدأ الإحساس لدى هؤلاء وزملائهم بضرورة التوحد مع الأجيال الصاعدة من الأطباء في ضرورة استعادة التدريس باللغة العربية، وتعمق هذا السعي في أوساط النقابات الطبية في معظم الدول العربية، حتى أضحى تعريب الطب في الوطن العربي مطلباً دائماً لدى اتحاد الاطباء العرب واتحاد الصيادلة العرب، اللذين بذلا مع الجامعة العربية واتحاد الجامعات العربية واليونيسكو ومنظمة الصحة العالمية جهوداً جبارة لسنوات طويلة في إعداد العدة، لذلك ومن أولى ثمارها تأليف المعجم الطبي الموحد 'عربي/ إنجليزي' وترجمة كتب المناهج الأساسية في كليات الطب، واستمرت هذه الجهود بلا انقطاع حتى تكاملت عام ١٩٨٨ بالخطة النهائية للبدء بتدريس العلوم الطبية بالعربية بدل الإنجليزية/ أو الفرنسية، وتم وضع مساق للغة الأجنبية الخاصة بالطب كمنهج ثابت طوال سنوات التدريس في كليات الطب، وذلك لضمان استمرار التواصل بين الأطباء الدارسين بلغتهم العربية وبين الأدب الطبي العالمي في اللغة الإنجليزية التي أضحت مع الزمن لغة عالمية 'والفرنسية إذا لزم'.
هذا وقد عقدت الجامعة العربية اجتماعها التاريخي في دمشق في الثامن من كانون الأول عام 1988، فبالإضافة لكل تلك الأطراف التي أعدت الخطة التدريسية ومناهجها على مدى سنوات عديدة، دعت له في نهاية المطاف أهم الجهات التي ستنفذ الخطة الشاملة وعلى رأسها وزارات التعليم العالي المسؤولة عن كليات الطب والممثلة بمجلس وزراء التعليم العالي العرب، ووزارات الصحة العربية ممثلة بمجلس وزراء الصحة العرب وكنت يومذاك أشرف برئاسته، وقد أقر ذلك الاجتماع التاريخي الخطة الكاملة لتدريس العلوم الطبية في جميع جامعات الوطن العربي في العام الدراسي التالي مباشرةً أي ١٩٨٩، وفرحنا فرحاً لا مثيل له، لكن كل شيء ضاع واختفى بعد عودة الوفود من دمشق الى بلادها إذ لم يصدر اي قرار بالبدء بالتطبيق إطلاقا .
لم يهدأ أصحاب الضمائر الحية من الغيورين على لغتهم وعلى حق الأجيال اللاحقة من دارسي الطب أن يفيدوا من ذلك فيفيدوا بالتالي مرضاهم أي مواطنيهم في جميع أرجاء الوطن العربي. لذلك دأبوا على المطالبة بالعودة إلى قرار دمشق 1988 وتطبيقه، وكنت بين أولئك أسطر بقلمي المتواضع في مقالاتي الصحفية بين حين وآخر ما يذكّر بمشروع التعريب ويلح على العودة اليه.
إننا ننتهز فرصة هذا اللقاء لكي ننادي بأعلى صوتنا بالانصياع للحق والمنطق والكرامة الوطنية ومصلحة طلاب الطب واطباء المستقبل ومرضاهم، وذلك بالعودة الى الجامعة العربية وقرارها التاريخي الصادر في دمشق عام 1988 والبدء فوراً بتدريس العلوم باللغة العربية جنباً الى جنب مع مساق اللغة الأجنبية الخاصة، الذي يمكنّهم حقا من متابعة الأدب الطبي العالمي والتواصل معه، فنحن ضد السيطرة الأجنبية لا ضد اللغة الأجنبية، ومع استخدام هذه الأخيرة في مكانها الصحيح وبالطريقة الصحيحة الى جانب لغتنا القومية التي نعتز بها ويتنكر لها بعضنا.
*من محاضرة عن أهمية تعريب العلوم (العلوم الطبية نموذجاً) قدمت في الملتقى الوطني للدفاع عن اللغة العربية الذي عقدته جماعة حوارات عمان.