تعد براكين الرفاعيات شاهدا حيا على تاريخ جيولوجي عميق مرّت به المنطقة، وثروة طبيعية لا تقل أهمية عن الموارد المعدنية والصخرية الأخرى في محافظة المفرق، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليها والتعريف بها واستثمارها علميا وسياحيا فرصة جديدة لتنويع اقتصاد البادية وتعزيز حضور المفرق على خريطة السياحة الجيولوجية في الأردن.
ففي أقصى البادية الشمالية الشرقية لمحافظة المفرق، تبدو الرفاعيات مختلفة عن كثير من مناطق البادية، حيث تنتشر حولها الصخور البازلتية السوداء والمخاريط البركانية التي تشكلت بفعل نشاط بركاني قديم، تاركة وراءها مشهدا جيولوجيا فريدا يحكي جانبا من التاريخ الطبيعي للأردن.
وتقع الرفاعيات على مسافة تقارب (٧٠) كيلومترا شرق مدينة المفرق، وتتبع إداريا لقضاء دير الكهف، وتحيط بها واحدة من المناطق البركانية التابعة لحرة الشام، التي تمتد عبر أجزاء من الأردن وسوريا والسعودية.
وتشير دراسات جيولوجية إلى اكتشاف أكثر من عشرة براكين ضمن هضبة الرفاعيات والمجموعة البركانية المرتبطة بها وأن النشاط البركاني في المنطقة ارتبط بوجود فوالق عميقة سمحت بصعود الصهارة إلى سطح الأرض، حيث تدفقت الحمم البازلتية باتجاه الجنوب، مشكلة هضبة واسعة من الصخور البركانية. وتمتد آثار هذه التدفقات من المنطقة القريبة من الحدود الأردنية السورية باتجاه الأزرق، فيما تتفاوت سماكات التدفقات البازلتية في المنطقة.
ويؤكد الباحث في التراث والسياحة أحمد ارشيد عليمات،أن أهمية براكين الرفاعيات لا تقتصر على قيمتها الجيولوجية، إذ تمثل المنطقة نموذجا طبيعيا يمكن أن يكون وجهة للباحثين والطلبة والمهتمين بعلوم الأرض، فضلا عن إمكانية توظيفها مستقبلا في السياحة الجيولوجية وسياحة المغامرات، من خلال إعداد مسارات سياحية وتعريف الزوار بالمخاريط البركانية والصخور البازلتية وآليات تشكلها.
وأوضح أن المنطقة تكتسب أهمية إضافية لوجودها ضمن بيئة البادية الشمالية التي تتميز بتنوع طبيعي وأثري، ما يتيح إمكانية الربط بين السياحة الجيولوجية والمواقع الأثرية والتراثية المنتشرة في المنطقة، ضمن مسارات سياحية متكاملة.
ويرى أن تطوير هذا النوع من المواقع يتطلب إجراء دراسات علمية وجيولوجية تفصيلية، وتحديد أبرز المخاريط والفوهات والمظاهر البركانية، إلى جانب وضع خطط لحمايتها من العبث والاستغلال العشوائي، وإنشاء مرافق بسيطة تخدم الزوار والباحثين.
وأكدت الأستاذة الدكتورة في الجيولوجيا البيئية والتطبيقية في الجامعة الأردنية، بتي السقرات، أن منطقة الرفاعيات في البادية الشمالية تعد من المواقع الجيولوجية المميزة في الأردن، كونها جزءا من الامتداد البركاني المعروف بالحرّة الشامية، وتضم عددا من المخاريط البركانية والتدفقات البازلتية التي تشكل سجلا مهما للتاريخ الجيولوجي والنشاط البركاني الذي شهدته المنطقة عبر العصور الجيولوجية.
واتفقت مع الآراء التي تؤكد أن أهمية الرفاعيات تكمن ليس فقط في وجود الصخور البازلتية، وإنما في المشهد الجيولوجي المتكامل الذي يمكن أن يشكل أساسا لتطوير السياحة الجيولوجية والتعليمية والبيئية من خلال تحويل هذه المواقع إلى مسارات جيولوجية ومواقع للتعلم الميداني والتعريف بتاريخ الأرض وتطورها، مع إمكانية ربطها بالمواقع الأثرية والثقافية في البادية الشمالية.
ورأت السقرات أن الرفاعيات تمثل إرثا جيولوجيا يستحق التوثيق والحماية والاستثمار المستدام، ويمكن أن تتحول إلى وجهة للسياحة الجيولوجية إذا جرى إعداد دراسة علمية متكاملة لتحديد المواقع ذات القيمة الجيولوجية، ووضع مسارات سياحية ومراكز للتفسير الجيولوجي، وإشراك المجتمع المحلي في هذا النوع من الاستثمار.
ولفتت إلى أن الاستثمار الحقيقي في مثل هذه المواقع لا ينبغي أن يقوم على استغلال الصخور أو تغيير طبيعة المكان، وإنما على الحفاظ على قيمته الجيولوجية وتحويل هذا الإرث الطبيعي إلى مورد علمي وسياحي واقتصادي مستدام يخدم المنطقة وأبناءها ويحافظ عليه للأجيال القادمة.
براكين الرفاعيات.. ذاكرة جيولوجية نادرة في المفرق
12:33 1-9-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء