كتاب

"برميل متفجر" فتيله بيد اليمين المتطرف

تفرض الضفة الغربية نفسها على واجهة المشهد السياسي والأمني والإنتخابي الإسرائيلي، لما لها من تأثير كبير في الحسابات الإنتخابية الإسرائيلية، خصوصا وأن إرهاب المستوطنين ضد المواطنين الفلسطينيين العزّل يتصاعد يوما بعد يوم، في وقت تتسع فيه دائرة الخلافات داخل المؤسسات الامنية الإسرائيلية في كيفية التعامل معها.
التقديرات تشير الى ان الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لن تكون مجرد منافسة بين أحزاب على تشكيل الحكومة، بل اختبار لمستقبل اليمين الإسرائيلي المتطرف ، ولقدرة نتنياهو على الحفاظ على تماسك معسكره الديني المتطرف، في ظل تنافس حاد بين الأحزاب اليمينية والدينية ومحاولات قوى جديدة استقطاب الناخبين الذين كانوا يشكلون قاعدة تقليدية لمعسكر نتنياهو.
أحد أبرز المفارقات في هذا السياق تبرز أزمة سموتريتش، الذي يواجه صعوبة في ضمان بقاء حزبه لاعبا مؤثرا في الكنيست، بالتزامن مع رفض إيتمار بن غفير دمج القائمتين، وسط مخاوف داخل معسكر اليمين من تشتت الأصوات وعدم قدرة الأحزاب الصغيرة على تجاوز نسبة الحسم، وقد دفع ذلك نتنياهو إلى محاولة جمع أطراف اليمين في إطار انتخابي أكثر تماسكا، خشية أن تتحول المنافسة داخل المعسكر نفسه إلى عامل يؤدي إلى خسارته الأغلبية البرلمانية.
وفي المقابل، ترى المعارضة أن الانتخابات فرصة لإعادة صياغة المشهد السياسي بعد سنوات من حكم نتنياهو والحرب المنهكة التي أعقبت السابع من أكتوبر، وتظهر استطلاعات وتحليلات إسرائيلية وجود منافسة حقيقية على رئاسة الحكومة، الأمر الذي يجعل كل تطور أمني في الضفة قابلا لأن يتحول إلى مادة متفجرة في الحملات الانتخابية، خصوصا لدى الأحزاب اليمينية التي تضع الأمن والاستيطان في مقدمة أجندتها، وهو ما نلمسه كل يوم مع التصعيد والحصار للقرى والمدن الفلسطينية.
الضفة الغربية ايضا، تكتسب في هذه الإنتخابات أهمية خاصة، فتصاعد اعتداءات المستوطنين لا يجري التعامل معه في إسرائيل باعتباره قضية فلسطينية فقط، وإنما باعتباره مشكلة أمنية داخلية قد تهدد جيش الاحتلال والمستوطنات نفسها، وتدفع الفلسطينيين إلى ردود فعل أوسع، وقد يؤدي استمرار العنف إلى توسع دائرة المواجهة، فيما تتزايد الانتقادات لضعف التنسيق بين الجيش والشرطة وأجهزة الأمن الاسراىيلية، وتزامن ذلك مع ضغوط دولية متصاعدة على الحكومة الإسرائيلية بسبب عنف المستوطنين.
والدليل، أن الضفة باتت ساحة للتنافس بين التيارات الإسرائيلية حول مستقبل المشروع الاستيطاني، فالأحزاب الدينية والقومية تسعى إلى ترسيخ الاستيطان وتوسيع نفوذها، بينما تحذر قوى سياسية أخرى من أن استمرار هذه السياسات يزيد عزلة إسرائيل ويعمق المخاطر الأمنية، وتشير تحليلات إلى أن النشاط الاستيطاني المتزايد قبل الانتخابات يرتبط جزئيا بمحاولة اليمين تكريس وقائع جديدة على الأرض وتعزيز مكانته لدى قاعدته الانتخابية.
وتكمن الخطورة في ذلك ايضا، أن الانتخابات قد تدفع بعض القوى السياسية إلى رفع سقف الخطاب الأمني،وإجراءات الخنق والتضييق على الفلسطينيين، في وقت تحتاج فيه الضفة إلى إجراءات تحول دون اتساع دائرة الإعتداءات الإسرائيلية. فكل اعتداء جديد، أو احتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين، يمكن أن يتحول إلى ورقة انتخابية، بما يزيد صعوبة الفصل بين الاعتبارات الأمنية والحسابات الحزبية.
على سبيل المثال لا الحصر، تبدو المعركة بدأت من القدس حيث تسعى اسرائيل الى 'أسرلة' تدريجية للمدينة، من خلال ربط الفلسطينيين بنظامها الإداري والمالي والتعليمي، في محاولة يائسة لإضعاف الهوية الوطنية الفلسطينية للمدينة، وهي استراتيجية تنتهجها التيارات الدينية المتطرفة برئاسة سموتريتش بن غفير، الذين أصبحا أحد الأسباب الرئيسية للأزمة السياسية والأمنية في إسرائيل، وهو ما يفسر محاولات بعض القوى اليمينية التخلص من أعباء التحالف معهما رغم الحاجة لقواعدهما الإنتخابية.
وعليه، فكلما اقترب موعد الانتخابات، ازداد التركيز على أهمية الأمن وتوسيع الإستيطان في الخطاب الإسرائيلي، وكلما تصاعدت المنافسة السياسية، ارتفعت احتمالات توظيف الضفة والاستيطان في الصراع الانتخابي، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارا لقدرة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على ضبط إرهاب المستوطنين، وقدرة الحكومة على منع الحسابات الانتخابية من دفع الأوضاع نحو تصعيد أوسع سواء على مستوى الضفة أو على مستوى إقليمي.