عربي ودولي

هل باتت إسرائيل وتركيا على أعتاب مواجهة مباشرة

انتقادات حادة للخطاب الإسرائيلي التصعيدي

تشهد العلاقات بين إسرائيل وتركيا توتراً متصاعداً دفع مراقبين ومحللين إسرائيليين إلى التساؤل عما إذا كانت الخصومة السياسية والإعلامية بين البلدين قد تتطور إلى مواجهة مباشرة.
ويأتي هذا التصعيد في أعقاب الهجوم الجوي الإسرائيلي الذي شن قبل نحو أسبوعين في سوريا، واستهدف، وفق تقارير، منع نشر قوة تركية في مطار أبو الظهور شمالي البلاد، إلى جانب التهديدات والتصريحات المتبادلة بين قيادتي البلدين، والتي بلغت مستويات غير مسبوقة منذ عملية «7 أكتوبر» 2023.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً محورياً: هل باتت إسرائيل وتركيا بالفعل على أعتاب مواجهة عسكرية، أم أن التوتر المتصاعد لا يزال محكوماً بسقوف سياسية واستراتيجية تمنع انزلاقه إلى حرب مفتوحة؟.
وفي قراءة تاريخية للعلاقات بين البلدين، يشير البروفيسور إيال زيسر، في مقال نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم»، إلى أن مسار العلاقة بين إسرائيل وتركيا كان طويلاً ومعقداً، فقد كانت تركيا أول دولة ذات غالبية مسلمة تعترف بإسرائيل عام 1949، ثم ارتبطت في أواخر خمسينيات القرن الماضي مع إسرائيل وإيران وإثيوبيا بما عرف بـ«حلف المحيط»، وهو تحالف سري استهدف مواجهة النفوذ الإقليمي للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
وشهدت تسعينيات القرن الماضي مرحلة ازدهار في العلاقات الثنائية، تمثلت في تعاون سياسي واقتصادي وأمني واسع، وبلغت العلاقات في تلك المرحلة مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك تعاون أمني بين الطرفين، قبل أن تبدأ بالتحول بصورة تدريجية مع وصول رجب طيب أردوغان إلى السلطة عام 2003.
ويرى زيسر، أن صعود أردوغان إلى الحكم شكل نقطة تحول مركزية في السياسة التركية وتوجهاتها الإقليمية.
ويقدم المحلل الإسرائيلي قراءة لطبيعة التحولات التي شهدها المجتمع التركي، معتبراً أنه انتقل، من وجهة نظره، من مجتمع ذي توجه غربي وحداثي وعلماني إلى مجتمع أكثر ارتباطاً بالهوية الإسلامية والتقاليد، ومن دولة كانت تطمح إلى تعزيز اندماجها في أوروبا إلى دولة ترى في محيطها العربي والإسلامي مجالاً رئيسياً لدورها ومستقبلها، وتسعى إلى لعب دور قيادي فيه.
وبحسب زيسر، أصبحت إسرائيل مع مرور الوقت جزءاً من التحدي الذي تواجهه طموحات أردوغان الإقليمية، كما تحولت القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل إلى أحد الملفات التي يمكن لأنقرة من خلالها تعزيز حضورها وشعبيتها داخلياً وإقليمياً.
ويضيف أن الإسرائيليين اعتقدوا لسنوات أن المصالح المشتركة ستشكل ما يشبه «السقف الزجاجي» الذي يمنع انهيار العلاقات بصورة كاملة، إلا أن التطورات اللاحقة أثبتت، بحسب رأيه، خطأ هذا التقدير.
ويرى زيسر أن أحداث «7 أكتوبر» وما أعقبها أحدثت تحولاً جديداً، ودفع التصعيد في غزة العلاقات بين الجانبين إلى مستويات متدنية للغاية. ورغم عدم وجود حدود مشتركة بين إسرائيل وتركيا، وهو ما يخفف من احتمالات الاحتكاك العسكري المباشر، فإن ساحات التماس بينهما بدأت تتسع، خصوصاً في شرق البحر المتوسط، وفي ملف الطاقة وحقول الغاز، والأهم في سوريا.
وتحولت سوريا، بصورة متزايدة، إلى الساحة الأكثر حساسية في التنافس بين أنقرة وتل أبيب. فتركيا تسعى إلى تعزيز نفوذها وعلاقاتها مع القيادة السورية الجديدة، وترى في الاستقرار السوري وفي معالجة الملف الكردي أولوية استراتيجية، في حين تنظر إسرائيل بقلق إلى أي توسع عسكري أو استراتيجي تركي في مناطق قريبة من حدودها ومجالها الحيوي.
في المقابل، يتبنى المحامي أوريئيل لين، في تحليل نشرته صحيفة «معاريف»، موقفاً أكثر حذراً، محذراً من أن الدخول في مواجهة عسكرية مع تركيا سيكون «فعل جنون».
ويوجه لين انتقادات حادة للخطاب الإسرائيلي التصعيدي، ولا سيما تصريحات وزير الدفاع إسرائيل كاتس، داعياً إلى التعامل مع تركيا باعتبارها قوة إقليمية كبرى لا يمكن استفزازها أو التعامل معها بالمنطق ذاته الذي تتعامل به إسرائيل مع خصوم آخرين في المنطقة.
ويشدد لين على ضرورة إدراك ما وصفه بـ«الكرامة القومية» التركية، محذراً من أن استفزاز أنقرة قد يقود إلى نتائج خطيرة.
ويدعو إلى اعتماد سياسة بعيدة المدى تقوم على المسؤولية والتفاهمات، وأن تلتزم الحكومة الإسرائيلية بخطاب أكثر انضباطاً تجاه تركيا.
وفي قراءة لميزان القوى، يشير لين إلى الفوارق الكبيرة بين البلدين، موضحاً أن مساحة تركيا تزيد على مساحة إسرائيل بعشرات المرات، وأن عدد سكانها أكبر بنحو تسعة أضعاف، كما تمتلك تركيا جيشاً برياً ضخماً وقوة عسكرية قوامها نحو 400 ألف جندي نظامي، إضافة إلى مئات الآلاف من قوات الاحتياط، فضلاً عن قدرات جوية وبحرية كبيرة.
ورغم أن سلاح الجو التركي لا يمتلك حتى الآن طائرات «إف-35»، فإن تركيا تمتلك قوة جوية كبيرة، بينما يحافظ أسطولها البحري على حضور واسع في شرق البحر المتوسط، في مناطق قريبة نسبياً من إسرائيل.
ويرى لين أن فتح جبهة عسكرية جديدة أمام إسرائيل، هذه المرة مع تركيا، سيكون خطوة شديدة الخطورة، داعياً إلى استنفاد جميع الخيارات السياسية والدبلوماسية قبل التفكير في أي مواجهة.
وتتفق هذه القراءة مع تقارير تشير إلى أن سوريا أصبحت بالفعل الساحة الأكثر احتمالاً للاحتكاك بين أنقرة وتل أبيب، فقد شملت بعض الضربات الإسرائيلية في سوريا، وفق تقارير مختلفة، مواقع ومناطق مرتبطة باحتمال انتشار عسكري تركي، أو ببنية أمنية وتقنية يمكن أن تخدم المصالح التركية.
ومع ذلك، لم ترد تركيا حتى الآن عسكرياً بصورة مباشرة على الاستهدافات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
ويبدو أن أنقرة تفضل في هذه المرحلة تعزيز قدرات الدولة السورية واستقرارها وتثبيت نفوذها السياسي والعسكري، بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، مع إبقاء خيارات الرد مفتوحة في حال تجاوزت التطورات خطوطاً تعتبرها تركيا حمراء.
ولا يقتصر التنافس بين الطرفين على الساحة السورية، بل يمتد إلى تشكيل محاور وتحالفات إقليمية متقابلة في شرق البحر المتوسط، ففي 22 كانون الأول 2025، تزامنت تحركات سياسية وأمنية في المنطقة، من بينها قمة ثلاثية في القدس المحتلة جمعت إسرائيل واليونان وقبرص، وأعلنت خلالها الأطراف عن تشكيل «قوة تدخل سريع مشتركة» لحماية البنية التحتية الحيوية في شرق المتوسط، في خطوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها رسالة موجهة إلى أنقرة.
ورغم التصعيد المتزايد، لا يرى معظم المحللين الإسرائيليين أن المواجهة العسكرية أصبحت حتمية، لكنهم يقرون بأن احتمالات الاحتكاك بين البلدين باتت أعلى مما كانت عليه في السابق. فالعلاقة، وفق توصيفهم، لم تعد «سلاماً بارداً»، بل تحولت تدريجياً إلى ما يشبه «تنافساً بارداً» يحمل في طياته احتمالات التصعيد.
ومع ذلك، لا تزال هناك مجموعة من الكوابح التي تحول دون الانزلاق إلى حرب شاملة، في مقدمتها وجود قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة بين الجانبين، إضافة إلى آليات لتجنب الاحتكاك العسكري، خصوصاً في الأجواء السورية.
وتشير تقديرات إلى وجود ترتيبات اتصال بين الأطراف المعنية، ساهمت فيها وساطات إقليمية، بهدف منع وقوع حوادث قد تتطور بصورة غير محسوبة.
كما يبقى العامل الأميركي أحد أهم عناصر التوازن في العلاقة بين الطرفين، فالولايات المتحدة ترتبط بعلاقات استراتيجية مع إسرائيل، لكنها في الوقت ذاته تنظر إلى تركيا باعتبارها قوة إقليمية وعضواً مهماً في حلف شمال الأطلسي، ما يجعل واشنطن طرفاً قادراً على لعب دور في احتواء التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.
ويخلص أوريئيل لين إلى أن إسرائيل تحتاج إلى بناء علاقاتها مع تركيا على أساس التفاهمات، وبمساعدة الولايات المتحدة، محذراً من مغبة استفزاز أنقرة أو التقليل من حجم قوتها ومكانتها. ويؤكد أن التصريحات التصعيدية لبعض المسؤولين الإسرائيليين يمكن أن تدفع المنطقة نحو نتائج كارثية، مشدداً على أن تركيا ليست دولة هامشية أو ساحة يمكن التعامل معها بالمنطق العسكري نفسه الذي استخدمته إسرائيل في ساحات أخرى.
وبينما لا تبدو الحرب المباشرة وشيكة في الوقت الراهن، فإن اتساع نقاط الاحتكاك، ولا سيما في سوريا وشرق المتوسط، يجعل احتمال الصدام قائماً، فالمشكلة بالنسبة لإسرائيل لا تتعلق فقط بالتفوق العسكري التركي من حيث الحجم والقدرات البشرية والبحرية، بل بحقيقة أن أي مواجهة مع أنقرة ستكون مختلفة جذرياً عن المواجهات التي خاضتها في محيطها القريب.
ويذهب مراقبون إلى أن إسرائيل، على الرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي الكبير، لا تستطيع التعامل مع تركيا باعتبارها خصماً عادياً، إذ إن مواجهة بين الدولتين ستضع الولايات المتحدة أمام اختبار صعب، وستكون تداعياتها الإقليمية والدولية واسعة.
وفي هذا السياق، تبدو الرهانات الإسرائيلية مرتبطة بدرجة كبيرة بالموقف الأميركي، باعتباره العامل الأكثر قدرة على كبح التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين قوتين إقليميتين كبيرتين.