تتشابك الخيوط السياسية والأمنية في إسرائيل في مشهد بالغ التعقيد، تعكسه العلاقة المتوترة بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير، بالتزامن مع تصاعد جرائم المستوطنين واحتدام التنافس الحزبي بين أقطاب اليمين.
وبينما تتجه أنظار العالم إلى إيران ولبنان وقطاع غزة، تبدو الضفة الغربية الساحة الأكثر قابلية للتوتر والانفجار، حيث تختبر التطورات حدود الفصل بين المصالح السياسية والاعتبارات الأمنية داخل إسرائيل.
ويتجاوز هذا المشهد الخلافات الشخصية أو المؤسساتية بين نتنياهو وزامير، ليصل إلى جوهر الأسئلة المتعلقة بمستقبل الضفة الغربية ومصير السلطة الفلسطينية واحتمالات اندلاع مواجهة واسعة يمكن أن تعيد رسم خريطة الصراع برمتها.
ففي الوقت الذي يسعى فيه اليمين الإسرائيلي إلى توظيف الملف الأمني في الصراع الانتخابي، يتمسك الجيش بموقف أكثر حذراً، محذراً من تداعيات قد تتجاوز حدود الحسابات السياسية الضيقة وتخرج عن السيطرة.
وفي خطوة غير معتادة، أجرى نتنياهو زيارة مفاجئة إلى مقر قيادة المنطقة الوسطى، طالباً الاطلاع على خطة الجيش للتعامل مع سيناريو «قلب البنادق»، أي احتمال انخراط أفراد من الأجهزة الأمنية الفلسطينية في مواجهة مسلحة ضد الجيش الإسرائيلي، للمرة الأولى منذ عملية «السور الواقي» عام 2002.
وحملت الزيارة، التي بدت في جانب منها رسالة سياسية بامتياز، دلالات متعددة، فقد سارع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير إلى الحضور، كلٌّ لأسبابه وحساباته، في مشهد عكس مستوى الحساسية السياسية والأمنية المحيط بهذه اللقاءات.
غير أن ما دار خلف الكواليس كان أكثر دلالة، إذ تحدث كبار ضباط القيادة عن مخاوف من فقدان السيطرة الميدانية، في ظل الارتفاع الملحوظ في حوادث العنف التي يبادر إليها مستوطنون في الضفة الغربية، إلى جانب تصاعد مستوى الخطورة في الاعتداءات وأشكال العنف المستخدمة خلالها.
وكشفت التسريبات الإعلامية التي أعقبت الزيارة عن جانب من اللعبة السياسية الدائرة بين المستويين السياسي والعسكري، فقد جرى تداول معلومات عن طلب نتنياهو الاطلاع على الخطة العسكرية، فيما أوضح رئيس الأركان أن الجيش لم يكن على علم مسبق برغبة رئيس الحكومة، وأن الخطة ستُعرض عليه قريباً.
وتكشف هذه الثنائية بين الطلب والتسريب عن أبعاد سياسية أعمق، إذ يبدو أن نتنياهو حقق من خلالها عدة أهداف في آن واحد، أبرزها إدخال احتمال انهيار السلطة الفلسطينية إلى النقاش العام، وتقديم نفسه باعتباره القائد الذي يطالب بالاستعداد لأسوأ السيناريوهات، إلى جانب محاولة رسم صورة إعلامية توحي بأن المؤسسة العسكرية لم تستعد بالشكل الكافي لمواجهة التهديدات المحتملة.
وفي أوساط الجيش، تتزايد الشكوك في أن الأمر يتجاوز مجرد خلاف حول الجاهزية العسكرية، فثمة تقديرات بأن نتنياهو قد يكون بصدد التمهيد لتدهور متعمّد في الضفة الغربية، يمكن أن يغيّر اتجاه الأجندة الانتخابية ويحول الأنظار بعيداً عن النقاش المتعلق بالإخفاقات التي سبقت حرب غزة.
وربما يفسر ذلك سرعة رد رئيس الأركان، الذي أصدر بياناً بشأن «تقييم متعدد الجبهات للوضع»، أكد فيه أن الجيش في حالة تأهب مرتفعة لمواجهة قابلية الاشتعال على أكثر من جبهة، كما أوعز بوضع مقر الفرقة 98 في حالة استعداد لتولي مسؤولية جزء واسع من الضفة الغربية عند الحاجة.
وفي خلفية هذا التوتر، تتصاعد مخاوف المستوطنين وممثليهم الأكثر نفوذاً في الحكومة، وفي مقدمتهم الوزير بتسلئيل سموتريتش، من احتمال تغيّر قواعد اللعبة بعد الانتخابات. فهناك خشية داخل أوساط اليمين الاستيطاني من أن تؤدي أي حكومة مقبلة إلى كبح موجة البناء الاستيطاني والتهجير والعنف التي شهدتها الضفة الغربية منذ أداء الحكومة الحالية اليمين في نهاية عام 2022.
ويتحول هذا القلق لدى بعض أوساط اليمين إلى دفع باتجاه تصعيد أمني أوسع في الضفة الغربية.
ولا يخفي سموتريتش وشخصيات بارزة في قيادة المستوطنين طموحاتهم إلى خلق واقع جديد يمكن أن يبرر عملية عسكرية واسعة ضد السلطة الفلسطينية، تمهيداً لإضعافها أو إسقاطها، وفرض سيطرة إسرائيلية أوسع على الأرض.
ويرى مراقبون أن تصعيداً من هذا النوع يمكن أن يوفر، إلى جانب تأثيره المحتمل في المشهد الانتخابي، غطاءً لتوسيع الاحتلال وفرض وقائع جديدة، بما في ذلك تهجير مزيد من الفلسطينيين وتكريس السيطرة الإسرائيلية على مناطق إضافية.
والسيناريو الذي كان يبدو حتى وقت قريب بعيداً، بدأ يكتسب أبعاداً أكثر عملية من خلال التحركات الميدانية للمستوطنين، الذين باتوا يستهدفون قرى ومناطق تقع ضمن تصنيفي «أ» و«ب»، في محاولة لاستفزاز ردود فعل فلسطينية قد تستخدم لاحقاً مبرراً لتدخلات عسكرية إسرائيلية واسعة.
وتشير التقديرات إلى أن قوات الجيش الإسرائيلي تسجل يومياً ما بين ثلاث وأربع حوادث احتكاك في الضفة الغربية، في مستويات توصف بأنها غير مسبوقة من حيث التكرار والانتشار.
ويتعمد مستوطنون التوجه إلى مناطق الاحتكاك داخل التجمعات الفلسطينية، مع تركيز خاص على المناطق المصنفة «أ» و«ب» وفق اتفاق أوسلو، في تحدٍ للترتيبات القائمة ومحاولة لفرض أمر واقع جديد على الأرض.
وبحسب تقديرات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فإن الأحداث الأخيرة، ولا سيما الاعتداءات المتكررة على قرية قصرة جنوب نابلس، لا تمثل حوادث منفصلة، بل تأتي ضمن سلسلة من التطورات المتراكمة التي يمكن أن تقود إلى إشعال الضفة الغربية وتوسيع نطاق المواجهات.
ويرى ضباط إسرائيليون أن الأوضاع باتت «على حافة الانفجار»، خصوصاً مع توجه فلسطينيين إلى تشكيل ما يوصف بـ«لجان الدفاع الشعبية»، وهو تطور يثير مخاوف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من انتقال التوتر من المناطق المصنفة «ج» إلى المناطق «أ» و«ب»، بما يحمله ذلك من احتمالات الاحتكاك المباشر واتساع دائرة المواجهة.
أما الموقف الأميركي، فيبدو حتى الآن محدود التأثير، فالإدارة الأميركية تترك لنتنياهو هامشاً معيناً للتحرك العسكري، كما يظهر في العمليات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، وبدرجة أقل في لبنان، إلا أن الضفة الغربية تبقى حالة مختلفة، نظراً إلى حساسية العنف فيها والاهتمام الدولي المتزايد باعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين.
ومع ذلك، لا تبدو الإدارة الأميركية، حتى الآن، مستعدة للتدخل بصورة حازمة لوقف هذا التدهور، باستثناء مواقف وتصريحات متفرقة صدرت عن السفير الأميركي في القدس مايك هاكابي، عبّر فيها في بعض المناسبات عن صدمته من أعمال العنف.
وفي هذا المشهد المتداخل، تتقاطع الحسابات السياسية والأمنية لتنتج مزيجاً شديد الخطورة قد يتجاوز قدرة أي طرف على السيطرة عليه. فالرقصة السياسية بين نتنياهو وزامير، التي تبدو في ظاهرها صراعاً على الصورة العامة وعلى التأثير في اتجاه الانتخابات، تحمل في جوهرها تداعيات أعمق تتصل بمستقبل الضفة الغربية واحتمالات انفجارها.
فمن جهة، يسعى نتنياهو إلى توظيف الملف الأمني في إعادة ترتيب أولويات الناخب الإسرائيلي، وتحويل النقاش من إخفاقات » 7 أكتوبر» إلى تهديدات مستقبلية تتطلب، وفق الرواية التي يروج لها، قيادة قوية ومستعدة لمواجهة جميع السيناريوهات.
من جهة أخرى، يحاول زامير الحفاظ على استقلالية المؤسسة العسكرية ومنع انجرارها الكامل وراء الحسابات السياسية والانتخابية، مع توجيه رسائل تحذير من أن أي تصعيد متعمد قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها.
أما المستوطنون وممثلوهم في الحكومة، فيواصلون الدفع نحو مواجهة أوسع قد تفتح أمامهم المجال لتحقيق أهدافهم التوسعية، حتى لو كان الثمن مزيداً من التوتر والانفجار وانهيار ما تبقى من الاستقرار الأمني في الضفة الغربية.