كتاب

من أجل أجيال تنشد الرموز

في بلادنا قامات وطنية تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة وأن تقرأ سيرها بعيداً عن الاختزال والعاطفة العابرة من أجل أجيال تنشد الرموز وتستحضر سيرهم وترسم مستقبلها على هدي من بذلوا وقدموا وضحوا لأجل المبدأ، فلا شعب بلا رموز ولا تاريخ دون وجدان. وفي بلادنا قامات كثيرة يستحضرها الناس لأنها عمدت سرديتنا بالدم وبقيت مستمسكة بالمبدأ.
نستذكر أولا الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين 'أبو طلال' الذي كان المؤتمن على صياغة المشروع الوحدوي العروبي الأردني، سعى بكل ما يملك من أجل وحدة الضفتين وقبلها لمشروع سوريا الكبرى، فكان تأسيس الدولة في جوهره مشروعا وحدويا لا مشروعا قطريا. وبين رجال الدولة الذين حملوا هذا المشروع كان إبراهيم هاشم، رئيس الوزراء الذي استشهد في بغداد في آب 1958 وهو يؤدي واجبه في سبيل وحدة العراق والأردن، فأدى الانقلاب الأسود إلى وأد هذه الوحدة في يوم واحد.
وبعد عامين وفي نفس الشهر وفي نفس المنصب استشهد هزاع المجالي. هو ابن الكرك المولود عام 1917 لبركات المجالي من شيوخ المجالي وأم من الونديين، نشأ بين جديه في ماعين فحفظ القرآن والمعلقات وركب الخيل قبل أن يعود إلى الكرك ويدخل مدرسة السلط الثانوية. عمل مساحا وكاتبا ثم التحق بكلية الحقوق في دمشق وتخرج عام 1946 وفتح مكتب محاماة، ومن هناك دخل إلى التشريفات الملكية عام 1947 ورافق الملك المؤسس، ثم تولى رئاسة بلدية عمان فشق شوارعها وحسن مياهها. وهو من مؤسسي الحزب الوطني الاشتراكي الذي كانت غايته الاتحاد العربي.
كُلف برئاسة الوزراء أول مرة في كانون الأول 1955 في ذروة أزمة حلف بغداد، وبعد حملة إذاعية من القاهرة تقول إن قتلى سقطوا في عمان نصحه كثيرون باستخدام الشدة فرفض وصعد إلى القصر وطلب قبول استقالته مؤثرا الاستقالة على الشدة، فلم تدم وزارته سوى ستة أيام لكنها رسخت صورته. ثم كُلف مرة ثانية في السادس من أيار 1959 فكانت وزارة بناء، أقامت مشروعات هادفة وطورت الإذاعة واختار وصفي التل مديرا للتوجيه الوطني، وقال في خطابه تلك الجملة التي بقيت: أردت للشعب أن يبلغ حياة كريمة وأردت له المنعة وأردت للأردن أن تبرز شخصيته العربية النبيلة شخصية البلد الذي يسر الصديق ويرعب العدو. وكان له عادة كل يوم اثنين أن يستقبل جموع المواطنين في دار رئاسة الوزراء. وفي العاشرة والنصف من صباح الاثنين 29 آب 1960م (في مثل هذه الأيام) بينما كان في مكتبه انفجرت عبوات ناسفة زرعت في الطابق العلوي فدمرت الرئاسة استشهد مع أحد عشر موظفا ومواطنا كانوا موجودين.
وبين رموزنا أيضا الشهيد وصفي التل الذي عبر عن سمات رجل الدولة وآمن بالأردن وبشعبه القادر على خلق التغيير والريادة وبوفاء للقيادة الهاشمية. جاء وصفي كحالة تعبر عن مقدرة الأوفياء الأردنيين لأمتهم العربية ومبادئ نهضة العرب في الحرية والوحدة، وهذه المدرسة السياسية الأردنية عبر عنها بأن الأردن الوحدوي مستقل وحر بإرادته وقراره، وعلى هذه المبادئ كان قراره بضرورة أن يكون الأردن قويا كما قام به الذين من قبله.
وفي صفحات الوطن سير أخرى توثق هذا المعنى، مثل الشهيد خضر شكري يعقوب الذي نادى 'الهدف موقعي' في قصة تضحية عظيمة اختار فيها أن ينهي حياته شجاعا مؤمنا برسالة شعار الجيش العربي المصطفوي وقيمه.
في سير الشهداء من رموزنا الكثير ليوثق، ذلك أننا نملك سردية عمدت بالدم وبذلت وأعطت وبقيت مستمسكة بالمبدأ، وأكدت أن الأردن الدولة والناس والوجدان والمؤسسات تشكلت لتبقى. ما نحتاجه اليوم ليس تكرار الحزن كل آب وكل تشرين، بل أن لا تبقى هذه الحوادث رهينة التخمينات والمتخيلات بغير إنصاف لسير أصحابها والكشف عن وثائق هذه الفترة، فنكرس مدرستنا السياسية لرفد الوجدان الأردني وتكون معينا لأجيال تنشد الرموز.