ورغم تماسك الرواية الرسمية الأردنية وقوتها، إلا أن طبيعة هذه الهجمات المتتابعة والكثيفة، والقادمة من اتجاهات متعددة، بما فيها الداخل، تجعل النفي والتوضيح الرسمي غير كافيين.
هناك ارتباط سببي واضح بين هذه الهجمات وأي نجاح أردني على مستوى الديبلوماسية الدولية كالزيارة الناجحة التي قام بها جلالة الملك للصين، أو حتى أي مظهر من مظاهر الصمود في وجه أحداث المنطقة وأزماتها.
قد يعترض البعض على لفظة "هجمات" من الأساس ويقول إن هذه الروايات يمكن اعتبارها مجرد وجهة نظر، وهذا صحيح في حالة كانت تستند إلى معلومات صحيحة وتصورات غير متحيزة. دعك من أن هذه الهجمات تنتقي الدول لتهاجمها وتتجاهل أخرى بشكل مفضوح.
خلال الفترة الأخيرة، ظهر في الأردن ردّ مضاد وفاعل من كتاب وناشطين تميزت استجابتهم بالسرعة والمرونة وفهم طبيعة المعركة الإلكترونية. نجح هؤلاء في التصدي لعدد من الحملات، لكن المشكلة هي وجود خطاب هدّام ما زال تحت صفر الاقتناع بأننا نعيش في دولة لها تاريخها وعمقها وثقلها السياسي.
عمليًا، شكّل هذا التيار جزءًا من الدفاع عن الرواية الأردنية في الميدان الحقيقي للمعركة: الفضاء الإلكتروني. وحمى مساحة مهمة من الرأي العام من الانجرار خلف روايات تتعارض مع مصالح الدولة الأردنية.
لكن المؤسف أن بعض السياسيين -خصوصًا السابقين- لا يزالون يتعاملون مع هذا المشهد بعقلية تكنوقراطية صرفة، فينظرون إلى هذا التيار باعتباره مصدر تأزيم، بدل فهم دوافعه ودوره. نعم، يرتكب بعض الناشطين أخطاء وزلات، وهذا طبيعي في معركة يخوضونها بإمكانات محدودة، لكن تقييمهم يجب أن يتم ضمن سياق دوافعهم الوطنية، لا في سياق الفهم الكلاسيكي للجدل حول القضايا العامة.
الأردن يحتاج، خصوصًا في المرحلة المقبلة، إلى فئة سياسية تمتلك كفاءة فنية للرد، وفهمًا سياسيًا عميقًا لخريطة المنطقة وتفاصيل الداخل، وتدرك مآرب الجهات التي تتحرك على الساحة.
محاولة تشويه الوعي العام لن تتوقف، بالتالي لا بد من تنظيم حالة التصدي العشوائية بحيث تصبح ضمن برامج الحكومات، فإذا تراكم التصور الخاطئ عن مواقف الأردن وعلاقاته في العقل الجمعي فقد نجد أنفسنا في مواجهة مشاريع خطيرة يتم التأسيس لها حاليًا، وقد يأتي يوم لا نجد فيه من يدافع عن الأردن بالسرعة والقوة التي تتطلبها المعركة.