كتاب

دور الشركات الحكومية في صناعة التنمية

تؤدي الشركات الحكومية أدواراً مختلفة في اقتصاد دول العالم، رغم التباين الكبير في طبيعة ومستوى اقتصادياتها وحجم حضور الدولة فيها، فنجد في بعض الدول أن الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي يدار من قبل القطاع الخاص ، كما نجد في دول اخرى أن الدولة هي من تتولى الدور الاقتصادي الأكبر، وخصوصاً في القطاعات الاستراتيجية، وهذا التنوع يجعل النقاش حولها يتجاوز مسألة الملكية بحد ذاتها، ليركز على ما يمكن أن تضيفه هذه الشركات إلى مسيرة التنمية، وكيف يمكن لقدراتها وإمكاناتها أن تتحول إلى قيمة تمتد إلى اقتصاد من حولها.
ولعل إحدى أهم الإضافات التي تستطيع الشركات الحكومية تقديمها تتعلق بقدرتها على النظر إلى الاستثمار بمدى أبعد، فالربحية والكفاءة والاستدامة المالية تبقى أسساً لا غنى عنها لنجاح أي شركة تعمل بمجالات الاستثمار، لكن بعض المشاريع تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة في بدايتها وإلى سنوات حتى تظهر آثارها الاقتصادية، وقد تكون الفرصة واعدة على المدى البعيد دون أن تكون جاذبة بالقدر نفسه في سنواتها الأولى، وهنا تبرز أهمية 'رأس المال الصبور'، أي الاستثمار القادر على منح الفرصة الوقت الذي تحتاجه حتى تنضج، والنظر إلى ما يمكن أن تحققه مستقبلاً، لا إلى العائد المباشر وحده ،وهذا تبرز أهمية مشاركة الشركات ذات الطابع الرسمي.
وتزداد قيمة هذا النوع من الاستثمار عندما لا يتوقف أثره عند المشروع نفسه، بل يمهد الطريق أمام استثمارات أخرى، فالبنية التحتية التي تنشئها شركة حكومية قد تفتح منطقة أمام نشاط اقتصادي جديد، أو تربطها بالأسواق، أو تهيئ لقيام قطاع لم تتوافر له المقومات من قبل، ومع اكتمال هذه الأسس تصبح الفرص أوضح وتتراجع بعض المخاطر والعوائق التي كانت تحد من الإقبال عليها، فيجد المستثمر المحلي والأجنبي بيئة أكثر جاهزية للدخول، وهنا يتحول الاستثمار الأول إلى نقطة انطلاق لاستثمارات جديدة، ويتسع أثره من مشروع واحد إلى حركة اقتصادية تنمو من حوله.
لكن جذب الاستثمار وتوفير البنية اللازمة له لا يكفيان وحدهما لبناء قطاع قادر على الاستمرار والنمو، فالمشاريع الجديدة تحتاج أيضاً إلى كفاءات محلية تستطيع تشغيلها وتطويرها والبناء عليها، وهنا يمتد دور الشركات الحكومية إلى الاستثمار في الإنسان، من خلال التدريب الفني والمهني ونقل المعرفة وإتاحة الخبرة العملية في المشاريع الكبيرة والمتخصصة، ولا تبقى هذه الخبرات محصورة داخل الشركة، فبعض أصحابها سيواصلون العمل فيها، بينما ينتقل آخرون إلى القطاع الخاص أو يؤسسون أعمالهم الخاصة، فتنتقل معهم المعرفة والخبرة إلى أجزاء أخرى من الاقتصاد، وتتسع قاعدة الكفاءات التي تستطيع الشركات والمستثمرون الاعتماد عليها مستقبلاً، وبذلك يصبح تأهيل الإنسان استثماراً طويل الأجل لا يقل أثراً عن الاستثمار في الأصول والبنية التحتية.
وعندما تمتد آثار الشركة بهذا الشكل إلى الاستثمار والبنية التحتية والكفاءات، يصبح من الطبيعي أن تتسع نظرتنا إلى معنى نجاحها، فالنتائج المالية والكفاءة التشغيلية تظل في صميم التقييم، لكنها لا تروي القصة كاملة، إذ يمكن النظر أيضاً إلى الاستثمارات التي ساهمت الشركة في جذبها، والفرص التي فتحتها أمام القطاع الخاص، والكفاءات التي ساهمت في تأهيلها، وما ولدته استثماراتها من نشاط يتجاوز حدودها، ليس باعتبار هذه النتائج بديلاً عن الربحية، وإنما باعتبارها جزءاً من العائد الأوسع الذي يمكن أن تحققه الشركة للاقتصاد.
بهذا المعنى، لا يقف نجاح الشركة الحكومية عند حدود أعمالها أو أصولها، بل يمتد إلى ما استطاعت أن تحركه من حولها، فرأس المال الصبور يمنح الفرص وقتها، والبنية التحتية تفتح المجال أمام الاستثمار، والكفاءات المؤهلة تمنح النشاط الاقتصادي القدرة على الاستمرار والتوسع، وعندما تتكامل هذه الأدوار يصبح نجاح الشركة جزءاً من دائرة اقتصادية أكبر، لا تنمو فيها الشركة وحدها، بل تساعد على خلق بيئة ينمو فيها الاستثمار والقطاع الخاص والقدرات المحلية معاً، لتصبح بذلك شريكاً حقيقياً في التنمية.