ما تقوم به الحكومة اليوم يستحق أن يُقرأ باعتباره تحولاً في فلسفة العمل الاقتصادي، وليس مجرد توسع في قائمة المشاريع العامة. فهناك فارق جوهري بين حكومة تنفق لكي تحرك الاقتصاد مؤقتاً، وحكومة تستخدم المشروع العام لإعادة تشكيل البيئة التي يعمل فيها الاقتصاد نفسه. وفي تقديري، فإن الأهمية الحقيقية لعدد من المشاريع التي يجري تنفيذها أو التحضير لها تكمن تحديداً في هذا الانتقال: من إدارة الإنفاق إلى هندسة النمو.
البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام القادمة يتضمن العديد من المشاريع والمبادرات في قطاعات مختلفة، ويضع الشراكة مع القطاع الخاص في صلب عملية التنفيذ، مع استثمارات كبيرة متوقعة في الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية. وهذه ليست مسألة تمويل فحسب؛ بل تعكس فهماً أكثر نضجاً لوظيفة الدولة. فالدولة ليست مطالبة بأن تكون المستثمر الوحيد، ولا المشغّل الوحيد، ولا الممول الوحيد. دورها الأهم أن تجعل الاستثمار ممكناً، والمشروع قابلاً للتمويل، والسوق قابلاً للتوسع، والمخاطر قابلة للحساب.
مثال على ذلك مشروع الناقل الوطني للمياه. القراءة التقليدية قد تراه مشروعاً خدمياً ضخماً لمعالجة مشكلة المياه، وهذا صحيح، لكنه اقتصادياً أعمق من ذلك بكثير. الأمن المائي ليس قطاعاً منفصلاً عن الاستثمار؛ هو جزء من البنية التحتية للإنتاج. لا يمكن بناء اقتصاد صناعي وزراعي وسياحي متوسع إذا بقي المورد المائي عنصراً دائماً لعدم اليقين. ولهذا فإن الانتقال بالمشروع إلى مراحل الاتفاق الفني والقانوني والتمويلي يمثل استثماراً في القدرة الاقتصادية المستقبلية للدولة، وليس مجرد معالجة لنقص خدمة أساسية.
والأمر ذاته ينطبق على مشروع سكة حديد العقبة وربط الميناء بمناطق إنتاج الفوسفات والبوتاس. هنا نحن أمام مشروع يتجاوز مفهوم النقل إلى إعادة بناء سلسلة القيمة الوطنية. تكلفة نقل المادة الخام، وسرعة وصولها إلى الميناء، وكفاءة الخدمات اللوجستية، كلها عناصر تدخل مباشرة في القدرة التنافسية للصادرات الأردنية. والمشروع الاستثماري المرتبط بالسكك الحديدية، وما يحمله من شراكة وتمويل خارجي، يرسخ فكرة مهمة: البنية التحتية ليست عبئاً مالياً على الدولة إذا صُممت بطريقة تجذب رأس المال وتولد عائداً اقتصادياً طويل الأجل.
وتبرز أهمية النهج الحكومي أيضاً في أنه لا يعزل الاستثمار عن تحديث الإدارة. وهذه نقطة أراها مركزية. لا يمكن الحديث عن اقتصاد تنافسي فيما تبقى الإجراءات أبطأ من حركة رأس المال، أو تكون تكلفة المعاملة الإدارية أعلى من القيمة التي تضيفها. لذلك فإن وصول عدد الخدمات الحكومية الرقمية إلى أكثر من ألفي خدمة، والتوسع في الهوية الرقمية ومراكز الخدمات، والتحول التدريجي نحو الحكومة اللاورقية، ليست إنجازات تقنية فقط؛ بل إصلاحات اقتصادية مباشرة لأنها تخفض تكلفة الوقت، وتقلل الاحتكاك الإداري، وتزيد القدرة على التنبؤ بالإجراءات.
هذا هو الشكل الذي أراه أكثر ملاءمة للدولة الاقتصادية الحديثة: دولة قوية، ولكن قوتها ليست في أن تحتل مساحة أكبر داخل السوق، بل في أن تجعل السوق أكثر انضباطاً وكفاءة. دولة تبني البنية التحتية، وتحمي المنافسة، وتضمن تنفيذ العقود، وتحسن التشريعات، وتطور الإدارة، ثم تفسح المجال أمام رأس المال الخاص ليقوم بوظيفته الطبيعية في الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل.
حتى الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة يجب أن يُقرأ من هذه الزاوية. إعادة تأهيل مئات المدارس، تدريب المعلمين، تطوير الخدمات الصحية والتحول الرقمي فيها، ليست نفقات اجتماعية معزولة عن الاقتصاد. رأس المال البشري هو أصل اقتصادي. والشركات لا تختار الدول فقط على أساس الضرائب أو أسعار الأراضي، بل على أساس نوعية العامل، وجودة الخدمات، واستقرار المجتمع، وكفاءة المؤسسات. البرنامج الحكومي نفسه يربط بين مشاريع التعليم والتأهيل والتشغيل وبين رفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
ومن المهم أيضاً أن الحكومة لا تتعامل مع الاستقرار المالي باعتباره بديلاً عن النمو، بل قاعدة له. المحافظة على الانضباط المالي، بالتوازي مع زيادة الإنفاق الرأسمالي وتوسيع الشراكات الاستثمارية، هي المعادلة الأصعب والأكثر أهمية. وقد أشار البنك الدولي هذا العام إلى أن الأردن حافظ على استقرار اقتصادي كلي في بيئة إقليمية صعبة، وأن المرحلة التالية تتمثل في تحويل هذا الاستقرار إلى استثمار خاص وفرص عمل ونمو أعلى.
في رأيي، هذه تحديداً هي المساحة التي تستحق الحكومة التقدير عليها: الانتقال التدريجي من فكرة أن الدولة هي التي تصنع النشاط الاقتصادي، إلى فكرة أكثر كفاءة، وهي أن الدولة تصنع البيئة التي يستطيع فيها النشاط الاقتصادي أن يتضاعف.
المشروع الحكومي الناجح ليس بالضرورة ذلك الذي توظف فيه الدولة أكبر مبلغ، بل ذلك الذي يجعل كل دينار عام قادراً على استقطاب عدة دنانير من الاستثمار الخاص، وكل طريق قادراً على فتح سوق، وكل خدمة رقمية قادرة على اختصار كلفة، وكل مشروع بنية تحتية قادراً على إنشاء قطاع جديد حوله.
وحين تصبح هذه هي قاعدة التفكير، لا تعود المشاريع الحكومية مجرد إنجازات متفرقة. تصبح بنية جديدة للاقتصاد الأردني.
محامٍ وخبير قانوني
Yazan.haddadin@haddadinlaw.com
البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام القادمة يتضمن العديد من المشاريع والمبادرات في قطاعات مختلفة، ويضع الشراكة مع القطاع الخاص في صلب عملية التنفيذ، مع استثمارات كبيرة متوقعة في الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية. وهذه ليست مسألة تمويل فحسب؛ بل تعكس فهماً أكثر نضجاً لوظيفة الدولة. فالدولة ليست مطالبة بأن تكون المستثمر الوحيد، ولا المشغّل الوحيد، ولا الممول الوحيد. دورها الأهم أن تجعل الاستثمار ممكناً، والمشروع قابلاً للتمويل، والسوق قابلاً للتوسع، والمخاطر قابلة للحساب.
مثال على ذلك مشروع الناقل الوطني للمياه. القراءة التقليدية قد تراه مشروعاً خدمياً ضخماً لمعالجة مشكلة المياه، وهذا صحيح، لكنه اقتصادياً أعمق من ذلك بكثير. الأمن المائي ليس قطاعاً منفصلاً عن الاستثمار؛ هو جزء من البنية التحتية للإنتاج. لا يمكن بناء اقتصاد صناعي وزراعي وسياحي متوسع إذا بقي المورد المائي عنصراً دائماً لعدم اليقين. ولهذا فإن الانتقال بالمشروع إلى مراحل الاتفاق الفني والقانوني والتمويلي يمثل استثماراً في القدرة الاقتصادية المستقبلية للدولة، وليس مجرد معالجة لنقص خدمة أساسية.
والأمر ذاته ينطبق على مشروع سكة حديد العقبة وربط الميناء بمناطق إنتاج الفوسفات والبوتاس. هنا نحن أمام مشروع يتجاوز مفهوم النقل إلى إعادة بناء سلسلة القيمة الوطنية. تكلفة نقل المادة الخام، وسرعة وصولها إلى الميناء، وكفاءة الخدمات اللوجستية، كلها عناصر تدخل مباشرة في القدرة التنافسية للصادرات الأردنية. والمشروع الاستثماري المرتبط بالسكك الحديدية، وما يحمله من شراكة وتمويل خارجي، يرسخ فكرة مهمة: البنية التحتية ليست عبئاً مالياً على الدولة إذا صُممت بطريقة تجذب رأس المال وتولد عائداً اقتصادياً طويل الأجل.
وتبرز أهمية النهج الحكومي أيضاً في أنه لا يعزل الاستثمار عن تحديث الإدارة. وهذه نقطة أراها مركزية. لا يمكن الحديث عن اقتصاد تنافسي فيما تبقى الإجراءات أبطأ من حركة رأس المال، أو تكون تكلفة المعاملة الإدارية أعلى من القيمة التي تضيفها. لذلك فإن وصول عدد الخدمات الحكومية الرقمية إلى أكثر من ألفي خدمة، والتوسع في الهوية الرقمية ومراكز الخدمات، والتحول التدريجي نحو الحكومة اللاورقية، ليست إنجازات تقنية فقط؛ بل إصلاحات اقتصادية مباشرة لأنها تخفض تكلفة الوقت، وتقلل الاحتكاك الإداري، وتزيد القدرة على التنبؤ بالإجراءات.
هذا هو الشكل الذي أراه أكثر ملاءمة للدولة الاقتصادية الحديثة: دولة قوية، ولكن قوتها ليست في أن تحتل مساحة أكبر داخل السوق، بل في أن تجعل السوق أكثر انضباطاً وكفاءة. دولة تبني البنية التحتية، وتحمي المنافسة، وتضمن تنفيذ العقود، وتحسن التشريعات، وتطور الإدارة، ثم تفسح المجال أمام رأس المال الخاص ليقوم بوظيفته الطبيعية في الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل.
حتى الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة يجب أن يُقرأ من هذه الزاوية. إعادة تأهيل مئات المدارس، تدريب المعلمين، تطوير الخدمات الصحية والتحول الرقمي فيها، ليست نفقات اجتماعية معزولة عن الاقتصاد. رأس المال البشري هو أصل اقتصادي. والشركات لا تختار الدول فقط على أساس الضرائب أو أسعار الأراضي، بل على أساس نوعية العامل، وجودة الخدمات، واستقرار المجتمع، وكفاءة المؤسسات. البرنامج الحكومي نفسه يربط بين مشاريع التعليم والتأهيل والتشغيل وبين رفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
ومن المهم أيضاً أن الحكومة لا تتعامل مع الاستقرار المالي باعتباره بديلاً عن النمو، بل قاعدة له. المحافظة على الانضباط المالي، بالتوازي مع زيادة الإنفاق الرأسمالي وتوسيع الشراكات الاستثمارية، هي المعادلة الأصعب والأكثر أهمية. وقد أشار البنك الدولي هذا العام إلى أن الأردن حافظ على استقرار اقتصادي كلي في بيئة إقليمية صعبة، وأن المرحلة التالية تتمثل في تحويل هذا الاستقرار إلى استثمار خاص وفرص عمل ونمو أعلى.
في رأيي، هذه تحديداً هي المساحة التي تستحق الحكومة التقدير عليها: الانتقال التدريجي من فكرة أن الدولة هي التي تصنع النشاط الاقتصادي، إلى فكرة أكثر كفاءة، وهي أن الدولة تصنع البيئة التي يستطيع فيها النشاط الاقتصادي أن يتضاعف.
المشروع الحكومي الناجح ليس بالضرورة ذلك الذي توظف فيه الدولة أكبر مبلغ، بل ذلك الذي يجعل كل دينار عام قادراً على استقطاب عدة دنانير من الاستثمار الخاص، وكل طريق قادراً على فتح سوق، وكل خدمة رقمية قادرة على اختصار كلفة، وكل مشروع بنية تحتية قادراً على إنشاء قطاع جديد حوله.
وحين تصبح هذه هي قاعدة التفكير، لا تعود المشاريع الحكومية مجرد إنجازات متفرقة. تصبح بنية جديدة للاقتصاد الأردني.
محامٍ وخبير قانوني
Yazan.haddadin@haddadinlaw.com