لا ينبغي أن يُقاس نجاح السينما الأردنية بعدد الأفلام المنتجة، أو المهرجانات والجوائز، أو شباك التذاكر فقط، بل بالسؤال الأهم: ماذا يبقى من الفيلم الأردني بعد انتهاء عرضه؟
الفيلم ليس مجرد منتج تجاري، بل يمكن أن يكون أصلًا ثقافيًا واقتصاديًا يحمل صورة الأردن إلى العالم، ويحفظ تفاصيل المجتمع والمدينة والقرية واللهجة والعادات والموسيقى والطعام والذاكرة الشعبية. وعندما نشاهد فيلمًا أردنيًا بعد عقود، فإننا لا نشاهد قصة فحسب، بل نرى الأردن كما كان؛ بيوته وشوارعه وملابسه ووسائل نقله ولهجاته وعلاقاته الاجتماعية وتفاصيل حياته اليومية. وهنا تتحول السينما إلى ذاكرة وطنية ووثيقة بصرية.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية السردية الأردنية التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، حفظه الله، بوصفها مساحة لتوثيق الأردن من خلال الإنسان والأرض والتاريخ والهوية. وتمتلك السينما قدرة فريدة على تحويل هذه السردية من معلومات ووقائع إلى صور وأصوات وشخصيات وأماكن وحكايات إنسانية.
إن السردية الأردنية لا تقتصر على التاريخ الرسمي، بل تشمل قصة الإنسان الأردني وعلاقته بالمكان. فالبيت ذاكرة، والشارع شاهد على التحولات، والقرية مجتمع وحكاية، والبادية ثقافة وتاريخ، والمدينة طبقات متراكمة من الذاكرة.
كما يمكن لكل محافظة أن تمثل فصلًا من قصة الأردن؛ من عمّان والسلط والكرك ومعان والعقبة ومادبا وإربد وعجلون والزرقاء، إلى المفرق والبادية والقرى والأغوار. وهذا التنوع لا يجزئ الهوية الأردنية، بل يجعلها أكثر اكتمالًا.
ويمتلك الأردن ثروة كبيرة من الحكايات التي لم تُستثمر سينمائيًا بما يكفي: قصص الناس، والقرى، والبادية، والمزارعين والعمال والجنود والنساء والشباب، والهجرة والتعليم والتحولات الاجتماعية، إضافة إلى المواقع التاريخية والأثرية. وهذه كلها مادة خام لصناعة سينمائية قادرة على بناء هوية متراكمة.
ولا يمكن بناء صناعة حقيقية دون استمرارية وتراكم؛ فالمخرج والكاتب والفني والمنتج يحتاجون إلى فرص متكررة لتطوير خبراتهم. كما يجب النظر إلى الفيلم باعتباره أصلًا طويل الأجل يمكن إعادة استثماره من خلال الملكية الفكرية، والأجزاء الجديدة، والمسلسلات، والكتب، والمحتوى الرقمي، والسياحة والصناعات الإبداعية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم فيلمًا صنع الأردن؟ بل: كم فيلمًا بقي؟ ومن يملك حقوقه؟ وهل ما زال متاحًا للأجيال؟ وكم قصة أردنية استطاع أن يحفظها؟
إن أعظم نجاح للفيلم الأردني أن يشاهده شخص بعد عشرين أو خمسين عامًا، فيرى فيه وطنًا تغير، وبيوتًا اختفت، ولهجات وأغانٍ ووجوهًا وحكايات كادت تُنسى.
فالفيلم ينتهي عندما تنتهي شاشته، لكنه لا ينتهي عندما تبدأ ذاكرته.
ولهذا يجب أن يكون السؤال أمام صانع الفيلم الأردني دائمًا:
ماذا سيشاهد الناس في فيلمي اليوم؟
وماذا سيبقى للأردن من فيلمي غدًا؟
وهنا تبدأ السردية، ويبدأ المعنى الحقيقي للفيلم الأردني.
* كاتب ومخرج وناقد أردني